الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في البصيرة والنظر في العواقب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 229 ] فصل ( في البصيرة والنظر في العواقب ) .

كان ملوك فارس يعتبرون أحوال الحواشي بإيفاد التحف على أيدي مستحسنات الجواري ويأمرونهن بالتدريج حتى إذا أطالوا الجلوس فتدب بوادي الشهوة قتلوا أولئك ، وإذا أرادوا مطالعة عقائد الفساد دسوا من يتابعهم على ذم الدولة فإذا أظهروا ما في نفوسهم استأصلوهم قال ابن عقيل في الفنون : فينبغي الحذر من هذه الأحوال ، ومن مخض الرأي كانت زبدته الصواب .

وذكر ابن الجوزي هذا المعنى في غير موضع ، وذكر من ذلك حكايات وقال ليحذر الحازم من الاشتراك وقال الرجل من عمل بالحزم وحذر الجائزات ، والأبله الذي يعمل على الظواهر ويثق من لم يجرب .

وقال أيضا أبو الفرج في كتابه السر المصون ( فصل مهم ) إنما فضل العقل على الحس بالنظر في العواقب ، فإن الحس لا يرى الحاضر ، والعقل يلاحظ الآخرة ويعمل على ما يتصور أن يقع ، فلا ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمح العواقب فمن ذلك أن التكاسل في طلب العلم وإيثار عاجل الراحة يوجب حسرات دائمة لا تفي لذة البطالة بمعشار تلك الحسرة ، ولقد كان يجلس إلي أخي وهو عامي فقير ، فأقول في نفسي قد تساوينا في هذه اللحظة فأين تعبي في طلب العلم ؟ وأين لذة بطالته ؟

ومن ذلك أن الإنسان قد يجهل بعض العلم فيستحي من السؤال والطلب لكبر سنه ولئلا يرى بعين الجهل فيلقى من الفضيحة إن سئل عن ذلك أضعاف ما آثر من الحياء .

ومن ذلك الطبع يطالب بالعمل بمقتضى الحالة الحاضرة مثل جواب [ ص: 230 ] جاهل وقت الغضب ، ثم يقع الندم في ثاني الحال على أن لذة الحلم أوفى من الانتقام ، وربما أثر ذلك الحقد من الجاهل فتمكن فبالغ في الأذى له .

ومن ذلك أن يعادي الناس وما يأمن أن يرتفع المعادى فيؤذيه . وإنما ينبغي أن يضمر عداوة العدو .

ومن ذلك أن يحب شخصا فيفشي إليه أسراره ثم تقع بينهما عداوة فيظهر ذلك عليه .

ومن ذلك أن يرى المال الكثير فينفق ناسيا أن ذلك يفنى فيقع له في ثاني الحال حوائج فيلقى من الندم أضعاف ما التذ به في النفقة ، فينبغي لمن رزق مالا أن يصور السن والعجز عن الكسب ، ويمثل ذهاب الجاه في الطلب من الناس ، ليحفظ ما معه . ومن ذلك أن ينبسط ذو دولة في دولته فإذا عزل ندم على ما فعل وإنما ينبغي أن يصور العزل ويعمل بمقتضاه .

ومن ذلك أن يؤثر لذة مطعم فيشبع فيفوته قيام الليل ، أو يؤثر لذة النوم فيفوته التهجد ، أو يأكل أو يجامع بشره فيمرض ، أو يشتهي جماع سوداء وينسى أنها ربما حملت فجاءت ببنت سوداء ، فكم من حسرة تقع له على مدى الزمان كلما رأى تلك البنت ، وقد كان في زماننا من جامع سوداء فجاءت له بولد فافتضح به منهم صاحب المخزن ، وقاضي القضاة الدامغاني وكان تاجرا قد ولد له ابن أسود فلما رآه قال لعن الله شهوتي .

ومن ذلك اشتغال العالم بصورة العلم وإنما يراد العمل به والإخلاص في طلبه فيذهب الزمان في حب الصيت وطلب مدح الناس فيقع الخسران إذا حصل ما في الصدور . [ ص: 231 ]

ومن ذلك اقتناع العالم بطرف من العلم ، فأين مزاحمة الكاملين والنظر في عواقب أحوالهم ؟ وقد يؤثر الأسهل كإيثار علم الحديث على الفقه ومعاناة الدرج تسهل عند العلو .

ومن ذلك الإكثار من الجماع ناسيا مغبته وأنه يضعف البدن ويؤذي فالطبع يرى اللذة الحاضرة والعقل يتأمل ، وشرح هذا يطول لكن قد نبهت على أصوله ، لقد جئت يوما من حر شديد فتعجلت راحة البرودة فنزعت ثوبي فأصابني زكام أشرفت منه على الموت ، ولو صبرت ساعة ربحت ما لقيت ، فقس كل لذة عاجلة ودع العقل يتلمح عواقبها والله أعلم .

وقال أيضا تأملت اللذات فرأيتها بين حسي ومعنوي فأما الحسيات فليست بشيء عند النفوس الشريفة ، إنما تراد لغيرها كالنكاح للولد ولزوال الفضول المؤذية ، والطعام للتغذي والتداوي ، والمال للإعداد وللحوائج والاستغناء عن الخلق ، وإنما جعلت اللذات في تحصيل هذه الأشياء كالبرطيل حتى يحصلها وإن طلب منها شيء لنفس الالتذاذ فإن للطبع حظا ، إلا أن كل لذة حسية تلازمها آفات لا تكاد تفي باللذة فإن النكاح لذة ساعة فيلازمه عاجلا ذهاب القوة وتكلف الغسل ومداراة المرأة والنفقة عليها وعلى الأولاد ، فاللذة خطفت خطف برق وما لازمها صواعق وما يلازم المطعم معلوم من الطهارة وغير ذلك .

ومعلوم ما يلازم حب المال من معاناة الكسب والخوض في الشبهات وصرف القلب عن الفكر في الآخرة شغلا بالاكتساب وعلى هذا جميع اللذات الحسية فينبغي أن يتناول منها الضروري فتقع معاناة ضرورية فتحصل قناعة بمقدار الكفاية والعفة عن فضول الشهوات .

وإنما اللذة الكاملة الأمور المعنوية وهي العلم والإدراك لحقائق الأمور والارتفاع بالكمال على الناقصين ، والانتقال من الأعداء ، إلا أنه قد تكون لذة العفو أطيب ; لأنها لا تقع إلا في حق ذليل قد قهر ، والصبر على نيل كل فضيلة وعن كل رذيلة ، والملاحظة لعواقب الأمور ، وعلو الهمة فلا تقصر عن بلوغ غاية تراد به فضيلة ، ومن علم أن الدنيا تزول ، وأن مراتب [ ص: 232 ] الناس في الجنة على قدر أعمالهم في الدنيا ، نافس أولئك قبل أن يصل إلى هناك ليقدم على مفضولين له .

ومن تفكر علم أن كثيرا من أهل الجنة في نقص بالإضافة إلى من هو أعلى منهم غير أنهم لا يعلمون بنقصهم وقد رضوا بحالهم وإنما اليوم نعلم ذلك ، فالبدار البدار إلى تحصيل أفضل الفضائل ، واغتنام الزمن السريع مرة قبل أن تجرع شراب الندم الفظيع مرة ، وقل لنفسك أي شيء إلى فلان وفلان من الموتى فلهم فنافس :

إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه تكن مثل ما يعجبك     فليس على الجود والمكرمات
إذا جئتها حاجب يحجبك



وقال أيضا لذات الحس شهوانية وكلها معجون بالكدر ، وأما اللذات النفسانية فلا كدر فيها كالأرايح الطيبة والصوت الحسن والعلم ، وأعلاه معرفة الخالق سبحانه ، فمن غلب عليه شهوات الحس شارك البهائم ، ومن غلب عليه شهوات النفس زاحم الملائكة .

وقال أيضا : تفكرت يوما فرأيت أننا في دار المعاملة والأرباح والفضائل فمثلنا كمثل مزرعة من أحسن بذرها والقيام عليها وكانت الأرض زكية والشرب متوفرا كثر الريع ، ومتى اختل شيء من ذلك أثر يوم الحصاد ، فالأعمال في الدنيا منها فرض وقد وقع فيه تفريط كثير من الناس ، ومنها فضيلة وأكثر الناس متكاسل عن طلب الفضائل ، والناس على ضربين عالم يغلبه هواه فيتوانى عن العمل ، وجاهل يظن أنه على الصواب ، وهذا الأغلب على الخلق ، فالأمير يراعي سلطنته ولا يبالي بمخالفة الشرع ، أو يرى بجهله جواز ما يفعله ، والفقيه همته ترتيب الأسئلة ليقهر الخصم ، والقاص همته تزويق الكلام ليعجب السامعين ، والزاهد مقصوده تزيين ظاهره بالخشوع لتقبل يده ويتبرك به ، والتاجر يمضي عمره في جمع المال كيف اتفق ففكره مصروف إلى ذلك عن النظر إلى صحة العقود ، والمغرى بالشهوات منهمك على تحصيل غرضه تارة بالمطعم وتارة بالوطء وغير ذلك فإذا ذهب [ ص: 233 ] العمر في هذه الأشياء وكان القلب مشغولا بالفكر في تحصيلها .

فمتى تتفرغ لإخراج زيف القصد من خالصه ، ومحاسبة النفس في أفعالها ، ودفع الكدر عن باطن السر وجمع الزاد للرحيل ، والبدار إلى تحصيل الفضائل والمعالي ؟ فالظاهر قدوم الأكثرين على الحسرات . إما في التفريط للواجب أو للتأسف على فوات الفضائل ، فالله الله يا أهل الفهم اقطعوا القواطع عن المهم قبل أن يقع الاستلاب بغتة على شتات القلب وضياع الأمر . [ ص: 234 ]

( فصل ) : لما صعد أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله من واسط إلى بغداد في سنة خمس وتسعين خلع عليه وجلس للناس يوم السبت وأحسن الكلام وكان مما أنشده قول الرضي الموسوي :

لا تعطش الروض الذي نبته     بصوب إنعامك قد روضا
لا تبر عودا أنت رشيته     حاشا لباني المجد أن ينقضا
إن كان لي ذنب تجرمته     فاستأنف العفو وهب ما مضى
قد كنت أرجوك لنيل المنى     فاليوم لا أطلب إلا الرضا

ثم أنشد أيضا :

شقينا بالنوى زمنا فلما     تلاقينا كأنا ما شقينا
سخطنا عندما جنت الليالي     وما زالت بنا حتى رضينا
ومن لم يحي بعد الموت يوما     فإنا بعدما متنا حيينا

.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث