الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني الحكمية

( الفرق الرابع والثلاثون بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني الحكمية )

وتحريره أن ما من معنى مأمور به في الشريعة ولا منهي عنه إلا وهو منقسم إلى فعلي وحكمي ونعني بالفعلي وجوده في زمان وجوده وتحققه دون زمان عدمه ونعني بالحكمي حكم صاحب الشرع على فاعله بعد عدمه بأنه من أهل ذلك الوصف وفي حكم الموصوف به دائما حتى يلابس ضده ولذلك مثل أحدهما الإيمان إذا استحضره الإنسان في قلبه فهذا هو الإيمان الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم [ ص: 201 ] صاحب الشرع عليه بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين في الدنيا والآخرة . وثانيها الكفر إذا استحضره الإنسان في قلبه فهذا هو الكفر الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه كافر وله أحكام الكفار في الدنيا والآخرة من إباحة الدم واستحقاق العقوبات وغير ذلك ومن ذلك قوله تعالى { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم } فإن كل واحد لا يأتي يوم القيامة وهو كافر الكفر الفعلي لأن كل كافر عند المعاينة يضطر للإيمان فلا يأتي يوم القيامة إلا وهو مؤمن بالفعل والإيمان الفعلي ينافي الكفر الفعلي فهو غير كافر بالفعل ، مؤمن بالفعل غير أنه لا ينفعه ذلك الإيمان وإنما ينفعه إذا وقع قبل المعاينة والاضطرار إليه

وثالثها الإخلاص يقع من العبد أول العبادة فهذا هو الإخلاص الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع عليه بأنه من المخلصين في الدنيا والآخرة حتى يخطر له الرياء وهو ضد الإخلاص فينتفي ذلك الحكم كما ينتفي الحكم بالإيمان بسبب ملابسة الكفر والحكم بالكفر بسبب ملابسة الإيمان ورابعها النية في أول الصلاة والطهارة والصوم ونحوه من العبادات تحصل في قلب العبد فهذه هي النية الفعلية فإذا غفل عنها في أثناء الصلاة أو غيرها من العبادات حكم صاحب الشرع بأنه ناو وله أحكام الناوين لتلك العبادات حتى يفرغ منها وكذلك جميع المعاني المنهي عنها والمأمور بها من الكبر والعجب وحب السمعة والإذلال وقصد الفساد وإرادة العناد ونحوه من المنهيات وحب المؤمنين وبغض الكافرين وتعظيم رب العالمين والأنبياء والمرسلين وقصد نفع الإخوان وإرادة البعد عن حرمات الرحمن وغير ذلك من المأمورات فكل من خطر بباله معنى من هذه المعاني ثم غفل عنها كان في حكم الشرع من أهل ذلك المعنى حتى يلابس ضده فهذه قاعدة في هذه الفروق مجمع عليها والحكميات أبدا في هذا الباب فرع الفعليات . وهاهنا خمس مسائل ( المسألة الأولى )

من خرس لسانه عند الموت وذهب عقله فلم ينطق بالشهادة عند الموت ولا أحضر الإيمان بقلبه ومات على [ ص: 202 ] تلك الحالة مات مؤمنا ولا يضره عدم الإيمان الفعلي عند الموت كما أن الكافر إذا حضرته الوفاة أخرس ذاهب العقل عاجزا عن الكفر في تلك الحال لعدم صلاحيته له لا ينفعه ذلك وحكمه عند الله حكم الذين استحضروا الكفر في تلك الحال بالفعل فالمعتبر ما تقدم من كفر وإيمان ولا يضر العدم في المعنى عند الموت .

( المسألة الثانية )

إذا سها عن السجود في الأولى والركوع في الثانية لا ينضاف سجود الثانية لركوع الأولى إلا أن يقصد به إضافته للأولى ولا تكفيه النية الفعلية المقارنة لأول الصلاة بسبب أن النية الحكمية هي فرع الفعلية على حسب ما كانت عليه والنية الفعلية الأولى إنما تناولت الفعل الشرعي لا بوصف كونه مرقعا بل على مجاري العادة في الأكثر فهذه الصلاة المرقعة الخارجة عن نمط العادة لا تتناولها النية الحكمية لأنها فرع الفعلية والفعلية لم تتناولها فكذلك الحكمية التي هي فرع الفعلية لا تتناول إلا الصلاة المرتبة العادية لا الصلاة المرقعة فبقيت المرقعة بغير نية فعلية ولا حكمية فاحتاجت إلى نية مجددة للترقيع ولأن المرقعة المتروك ركوعها وسجودها حتى ينضاف إليها سجود من ركعة أخرى غير مشروعة إجماعا وغير المشروع قربة لا ينوى شرعا فليس فيها نية فعلية قطعا وليس لها نية حكمية قطعا فإن الشرع إنما يحكم باستصحاب ما تقدم من النية فإذا لم تتقدم نية شرعية لا يحكم الشرع باستصحابها قطعا فهذه المرقعة خالية من النية قطعا فتحتاج إلى نية إجماعا لأنه لا بد للصلاة من النية إجماعا فهذا تقرير ظاهر قطعي فيعتمد عليه أولى من الاعتماد على الأمور الضعيفة التي يذكرها بعض الفقهاء .

( المسألة الثالثة ) إذا نسي سجدة من الأولى ثم ذكر في آخر صلاته فإنه يقوم إلى ركعة خامسة يجعلها عوض الأولى ولا بد لهذه الركعة الخامسة من نية مجددة بأنها عوض عن الأولى وإلا فلا تكون عوضا عن الأولى بالنية المتقدمة أول الصلاة لأنها لم تتناول إلا الصلاة العادية أما المرقعات فلا وكذلك الحكمية التي هي فرعها فلا بد من نية جديدة لأن كل جزء [ ص: 203 ] من أجزاء الصلاة لا بد فيه من نية فعلية أو حكمية فمتى عرا جزء من أجزاء الصلاة عنها بطلت الصلاة ما لم تستدرك بالنية عن قرب . ( المسألة الرابعة ) قال مالك رضي الله عنه في المدونة من بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهرا فدلكهما فيه بيديه ولم ينو بهما تمام وضوئه لم يجزه حتى ينويه قلت وسبب ذلك أن النية الفعلية لم تتناول إلا الوضوء العادي فإن الإنسان أول العبادة أو الوضوء لا يقدم على ترقيع الصلاة ولا ترقيع وضوئه بل إنما يقصد العبادة التي لا ترقيع فيها فالمرقعة لم يتناولها لا النية الفعلية ولا الحكمية التي هي فرع الفعلية فلا تتناول المرقعة ولا المفرقة فبقي جزء العبادة بغير نية مطلقا فتبطل العبادة لعدم شرطها فلأجل هذه القاعدة احتاج الترقيع أبدا إلى النية الفعلية تجدد له فمتى وقع بغير نية تجدد له بقي جزء العبادة بغير نية فتبطل العبادة لاشتراط النية في كل أجزائها فعلية أو حكمية . ( المسألة الخامسة )

رفض النية في أثناء العبادات فيه قولان هل يؤثر أم لا فإن قلنا بعدم التأثير فلا كلام وإن قلنا يؤثر فوجهه أن هذه النية التي حصل بها الرفض وهي العزم على ترك العبادة لو قارنت النية الفعلية الكائنة أول العبادة لضاددتها ونافتها فإن العزم على الفعل ، والعزم على تركه متضادان وما ضاد الفعلية ضاد الحكمية التي هي فرعها بطريق الأولى فظهر بهذه الفروع الفرق بين المعاني الفعلية والحكمية وأن الحكميات أبدا تابعة فروع الفعليات وأن الفعليات والحكميات إنما تتناول العبادات العاديات دون الطارئات وأن التلفيات تحتاج إلى نية جديدة أبدا لعدمها فيها وهو المطلوب . .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال شهاب الدين ( الفرق الرابع والثلاثون بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني الحكمية إلى آخر الفرق ) قلت ما قاله فيه صحيح . غير أنه في المسائل الثانية والثالثة والرابعة لقائل أن يقول إن من نوى الصلاة فإن نيته تتضمن إصلاحها إن احتاجت إليه لكني لا أذكره الآن من قول الفقهاء والصحيح ما قاله في ذلك والله تعالى أعلم وما قاله في الفرق الخامس والثلاثين صحيح .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الرابع والثلاثون بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني الحكمية ) اعلم أن المعنى الفعلي عبارة عن وجود ذلك الفعل وتحققه في زمان وجوده دون زمان عدمه والمعنى الحكمي عبارة عن حكم صاحب الشرع على فاعل ذلك الفعل بعد عدمه بأنه من أهل ذلك الفعل وفي حكم الموصوف به دائما حق يلابس ضده ومن أمثلة ذلك الإيمان إذا استحضره الإنسان في قلبه فهو إيمان فعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك وحكم صاحب الشرع عليه بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين في الدنيا والآخرة فهو إيمان حكمي ومنها الكفر إذا استحضره الإنسان في قلبه فهو الكفر الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك وحكم صاحب الشرع بأنه كافر وله أحكام الكفار في الدنيا والآخرة من إباحة الدم واستحقاق العقوبات وغير ذلك فهو الكفر الحكمي ومنه قوله تعالى { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم } [ ص: 200 ] فإن كل واحد لا يأتي يوم القيامة وهو كافر الكفر الفعلي لأن كل كافر عند المعاينة يضطر للإيمان فلا يأتي يوم القيامة إلا وهو مؤمن بالفعل والإيمان الفعلي ينافي الكفر الفعلي فهو غير كافر بالفعل غير أنه لا ينفعه ذلك الإيمان وإنما ينفعه إذا وقع قبل المعاينة والاضطرار إليه ومنها الإخلاص يقع من العبد في أول العبادة فيكون إخلاصا فعليا فإذا غفل عنه بعد ذلك وحكم صاحب الشرع عليه بأنه من المخلصين في الدنيا والآخرة كان إخلاصا حكميا حتى يخطر له الرياء وهو ضد الإخلاص فينفى ذلك الحكم كما ينتفي الحكم بالإيمان بسبب ملابسة الكفر وينتفي الحكم بالكفر بسبب ملابسة الإيمان ومنها النية في أول الصلاة والطهارة والصوم ونحو ذلك من العبادات إذا حصلت في قلب العبد فهي النية الفعلية فإذا غفل عنها في أثناء الصلاة أو غيرها من العبادات وحكم صاحب الشرع بأنه ناو وله أحكام الناوين لتلك العبادات حتى يفرغ منها وكذلك جميع المعاني المنهي عنها من الكبر والعجب وحب السمعة والإذلال وقصد الفساد وإرادة العناد ونحوه من المنهيات والمعاني المأمور بها من حب المؤمنين وبغض الكافرين وتعظيم رب العالمين والأنبياء المرسلين وقصد نفع الإخوان وإرادة البعد عن حرمات الرحمن وغير ذلك من المأمورات فكل من خطر بباله معنى من هذه المعاني ثم غفل عنها كان في حكم الشرع من أهل ذلك المعنى حتى يلابس ضده وكل من المعنى الفعلي والمعنى الحكمي وإن اشتركا في أنهما إنما يتناولان العبادات العاديات دون الطارئات والتلفيقات فإنها تحتاج إلى نية جديدة أبدا لعدمها فيها كما سيتضح إلا أنهما يفترقان من جهتين الجهة الأولى أن المعنى الحكمي يتحقق بعد عدم المعنى الفعلي وقبل ملابسة ضده والجهة الثانية أن المعنى الحكمي تابع وفرع للمعنى الفعلي ( وصل ) في توضيح هذا الفرق بخمس مسائل ( المسألة الأولى ) عدم الإيمان الفعلي عند الموت لا يضر ممن أخرس لسانه عند الموت وذهب عقله فلم ينطق بالشهادة عند الموت ولا أحضر الإيمان بقلبه ومات على تلك الحالة مات مؤمنا وعدم الكفر الفعلي عند الموت لا ينفع فمن حضرته الوفاة أخرس ذاهب العقل عاجزا عن الكفر في تلك الحالة لعدم صلاحيته له لا ينفعه ذلك وحكمه عند الله حكم الذين استحضروا الكفر في تلك الحالة بالفعل فالمعتبر ما تقدم من كفر وإيمان ( المسألة الثانية ) إذا سها عن السجود في الركعة الأولى وعن الركوع في الركعة الثانية لا ينضاف سجود الثانية لركوع الأولى إلا أن يجدد قصد إضافته للأولى عند فعله لأمرين الأول أن النية الفعلية المقارنة لأول الصلاة إنما تناولت الفعل الشرعي لا بوصف كونه مرقعا بل بوصف كونه على مجاري العادة في الأكثر وإذا لم تتناول النية الفعلية الصلاة المرقعة الخارجة عن نمط العادة لم تتناولها النية الحكمية التي هي فرع الفعلية كذلك فبقيت المرقعة بغير نية فعلية ولا حكمية فاحتاجت إلى نية مجددة للترقيع الثاني أن المرقعة المتروك ركوعها وسجودها حتى ينضاف إليها سجود من ركعة أخرى غير مشروعة إجماعا وغير المشروعة قربة لا ينوى شرعا فليس فيها نية فعلية قطعا وكذلك ليس فيها نية حكمية قطعا فإن الشرع إنما يحكم باستصحاب [ ص: 201 ] ما تقدم من النية فإذا لم تتقدم نية شرعية لا يحكم الشرع باستصحابها قطعا فهذه المرقعة خالية من النية قطعا فتحتاج إلى نية إجماعا لأنه لا بد للصلاة من النية إجماعا ( المسألة الثالثة ) إذا نسي سجدة من الركعة الأولى ثم ذكر في آخر صلاته قام إلى ركعة خامسة بشرط أن يجدد لها نية بأنها عوض عن الأولى لأنها جزء من أجزاء الصلاة وكل جزء من أجزائها لا بد فيه من نية فعلية أو حكمية وهذه الركعة الخامسة ترقيع للركعة الأولى لا ركعة عادية مرتبة فلا تتناولها النية الفعلية المتقدمة أول الصلاة وكذلك الحكمية لأنها فرع الفعلية ومتى عري جزء من أجزاء الصلاة عن النية بطلت الصلاة ما لم تستدرك بالنية عن قرب فافهم ( المسألة الرابعة ) السبب في قول مالك رضي الله عنه في المدونة من بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهرا فدلكهما فيه بيديه ولم ينو بهما تمام وضوءه لم يجز حتى ينويه ا هـ هو أن النية الفعلية الأولى لم تتناول إلا الوضوء العادي فإن الإنسان أول العبادة أو الوضوء لا يقدم على ترقيع صلاته ولا ترقيع وضوئه بل إنما يقصد العبادة التي لا ترقيع فيها فالمرقعة وكذا المفرقة لم تتناولها النية الفعلية فكذلك الحكمية التي هي فرع الفعلية فبقي جزء العبادة بغير نية مطلقا فتبطل العبادة لاشتراط النية في كل أجزائها فعلية أو حكمية فلهذه القاعدة احتاج الترقيع أبدا إلى النية الفعلية تجدد له ( المسألة الخامسة ) في عدم التأثير لرفض النية في أثناء العبادات نظرا لكون النية التي حصل بها الرفض وإن كانت تضاد الفعلية الكائنة أول الصلاة ضرورة أن العزم على الفعل يضاد العزم على تركه إلا أنها لم تقارنها وتأثيره نظرا لكون النية التي حصل بها الرفض وهي العزم على ترك العبادة وإن لم تقارن النية الفعلية المضادة لها إلا أنها قارنت الحكمية التي هي فرعها وما ضاد الأصل يضاد الفرع بطريق الأولى فافهم كذا في الأصل قال الحطاب في شرحه على المختصر وهو صريح في أن الخلاف جار في كل من الوضوء والصلاة والصوم والحج بل صرح بذلك في كتابه الأمنية في إدراك النية وأنه جار في الرفض قبل كمال العبادة وبعد كمالها ونقله عن العبدي وهو مقتضى قول التوضيح على قول ابن الحاجب وفي تأثير رفضها بعد الوضوء روايتان ا هـ هذا الخلاف جار في الوضوء والصلاة والصوم والحج وذكر القرافي عن العبدي أنه قال المشهور في الوضوء والحج عدم الرفض عكس الصلاة والصوم ومقتضى كلامه أن الخلاف جار بعد الفراغ من الفعل فإنه قال رفض النية من المشكلات لا سيما بعد كمال العبادة كما نقله العبدي فذكر الكلام السابق ثم قال والقاعدة العقلية أن رفع الواقع محال ا هـ والفرق على المشهور بين الصلاة والصوم والحج والوضوء أنه لما كان الوضوء معقول المعنى بدليل أن الحنفية لم توجب فيه النية والحج محتو على أعمال مالية وبدنية لم يتأكد طلب النية فيهما فرفض النية فيهما رفض لما هو غير متأكد . وذلك مناسب لعدم اعتبار الرفض ولأن الحج لما كان عبادة شاقة ويتمادى في فاسده ناسب أن يقال بعدم تأثير الرفض دفعا للمشقة الحاصلة على تقدير رفضه ابن عبد السلام وكان بعض من لقيته من الشيوخ ينكر إطلاق الخلاف في ذلك ويقول إن العبادة المشترط فيها النية [ ص: 202 ] إما أن تنقضي حسا وحكما كالصلاة والصوم بعد خروج وقتهما أو لا تنقضي حسا وحكما كما في حال التلبس بها أو تنقضي حسا دون الحكم كالوضوء بعد الفراغ منه فإنه وإن انقضى حسا لكن حكمه وهو رفع الحدث باق فالأول لا خلاف في عدم تأثير الرفض فيه والثاني لا خلاف في تأثيره فيه ومحل الخلاف هو الثالث وهو أحسن من جهة الفقه لو ساعدت الأنقال ا هـ وقد نص صاحب النكت في باب الصوم على خلافه فإنه نص على أنه لو رفض الوضوء وهو لم يكمله أن رفضه لا يؤثر إذا أكمل وضوءه بالقرب قال وكذلك الحج إذا رفض بعد الإحرام ثم قال فلا شيء عليه قال وأما إن كان في حيز الأفعال التي تجب عليه نوى الرفض وفعلها بغير نية كالطواف ونحوه فهذا رفض يعد كالتارك لذلك ا هـ منه من موضعين قلت وهو مشكل فإن الإحرام سواء كان بحج أو عمرة أو بهما أو بإطلاق لا يرتفض ورفضه في أثنائه ولم أر في ذلك خلافا بل قال سند في كتاب الحج مذهب الكافة أنه لا يرفض وهو باق على حكم إحرامه وقال داود يرتفض إحرامه وهو فاسد لأن الحج لا ينعدم بما يضاده حتى لو وطئ بقي على إحرامه وغاية رفض العبادة أن يضادها فيما لا ينتفي مع ما يفسده لا ينتفي مع ما يضاده . ا هـ .

وقال القرافي في الذخيرة في كتاب الحج إذا رفض إحرامه لغير شيء فهو باق عند مالك والأئمة خلافا لداود ولم يحك ابن الحاجب ولا ابن عرفة ولا غيرهما في ذلك خلافا وإذا لم يؤثر الرفض وهو في أثنائه فأحرى بعد كماله وأما الصلاة والصوم فظاهر كلام غير واحد أن الخلاف جار فيهما سواء وقع الرفض في أثنائهما أو بعد كمالهما قال ابن عرفة في كتاب الصلاة وفي وجوب إعادتها لرفضها بعد تمامها نقلا عن اللخمي ا هـ وحكى غيره أنه إذا كان الرفض في أثناء الصلاة والصوم فالمعروف من المذهب البطلان وهو الذي جزم به صاحب النكت ولم يحك غيره وأما إذا كان الرفض في أثناء الوضوء وكمله بالقرب فالذي جزم به عبد الحق في نكته أن ذلك لا يضر وظاهر كلام المصنف في التوضيح أنه اعتمده هنا أي في المختصر حيث قال في فصل فرائض الوضوء ورفضها مغتفر وهو ظاهر إطلاقه وكلام صاحب الطراز وابن الجماعة يقتضي أنه يرتفض قال ابن ناجي وعليه الأكثر وأما إذا كان الرفض بعد الفراغ من العبادة فنقل صاحب الجمع عن ابن راشد أنه قال إن القول بعدم التأثير عندي أصح لأن الرفض يرجع إلى التقدير لأن الواقع يستحيل رفضه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه ولأنه بنفس الفراغ من الفعل سقط التكليف به ومن ادعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل ا هـ وفي كلام صاحب الطراز في باب غسل الجنابة ما يقتضي أن العبادة كلها الوضوء والغسل والصلاة والصوم والإحرام لا يرتفض شيء منها بعد كماله وقال ابن جماعة التونسي ورفض الوضوء إن كان بعد تمامه لا يرتفض وكذلك الغسل والصلاة والصوم والحج . ا هـ .

وقال ابن ناجي في شرح المدونة في أواخر باب الغسل واختلف إذا رفض النية بعد الوضوء على قولين لمالك والفتوى بأنه لا يضر لأن ما حصل استحال رفعه ا هـ وكلام القرافي في كتاب الأمنية أي وكذا في الفروق أن المشهور أن الرفض في الصلاة والصوم يؤثر ولو بعد [ ص: 203 ] الكمال ولكنه استشكل ذلك بأنه يقتضي إبطال جميع الأعمال وبحث فيه وأطال وقال في آخر كلامه إنه سؤال حسن لم أجد ما يقتضي اندفاعه فالأحسن الاعتراف بذلك وقول ابن ناجي في ترجمة ما لا يجب منه الوضوء رفض الطهارة ينقضها في رواية أشهب عن مالك لأنه روي عنه من تصنع لنوم فعليه الوضوء وإن لم ينم قال الشيخ أبو إسحاق هذا يدل على أن رفض الوضوء يصح وابن القاسم يخالف في هذا ويقول هو كالحج لا يصح رفضه وجه رواية أشهب أن هذه عبادة يبطلها الحدث فصح رفضها كالصلاة ووجه قول ابن القاسم أن هذه طهارة فلم تبطل بالرفض كالطهارة الكبرى ا هـ ظاهر في أن الغسل لا يرتفض بلا خلاف ا هـ كلام الحطاب بتصرف ومحصله مع زيادة بيان ما في رفض التيمم والاعتكاف قول الأمير في المجموع وشرحه ( وارتفض وضوء وغسل في الأثناء ) على الراجح ( فقط ) ويغتفر بعد الفراغ وعليه يحمل الأصل ( كصلاة وصوم ) في الأثناء اتفاقا .

( وقيل ) ورجح أيضا يرتفض ( هذان مطلقا ) ولو بعد الفراغ ( ولا يرتفض حج أو عمرة مطلقا ) لمظنة المشقة ولا يقال يأتنف إحراما صحيحا ويترك ما رفضه لأن فاسدهما يجب إتمامه وقضاؤه ( والتيمم ) وإن كان طهارة ضعيفة ( والاعتكاف ) وإن احتوى على الصوم ( كالوضوء على الظاهر ) ويحتمل رفض الأول مطلقا وجريان الثاني على الصوم ا هـ بزيادة من ضوء الشموع والسعي والطواف كالصلاة فيما ذكر كما في حاشية شيخنا على منسك الوالد وبالجملة فالحقائق عشرة وضوء وغسل وتيمم واعتكاف وصلاة وصوم وحج وعمرة وطواف وسعي ولا خلاف في رفض ما عدا الحج والعمرة والوضوء والتيمم والاعتكاف في الأثناء ولا في عدم رفض الحج والعمرة مطلقا ولا في عدم رفض الغسل بعد الفراغ وإنما الخلاف في رفض الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والاعتكاف والطواف والسعي بعد الفراغ وفي رفض الوضوء والتيمم والاعتكاف في الأثناء قال أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات أثناء المسألة التاسعة من الأسباب في القسم الثاني من قسمي الأحكام ما توضيحه

. والحق صحة الرفض في أثناء جميع العبادات لا بعد كمالها على شروطها لأن معناها في الأثناء أنه كان قاصدا بالعبادة امتثال الأمر ثم أتمها على غير ذلك بل بنية أخرى ليست بعبادته التي شرع فيها كالمتطهر ينوي رفع الحدث ثم ينسخ تلك النية بنيته التبرد أو التنظف من الأوساخ البدنية ومعناه بعد كمالها على شروطها قصده أن لا تكون عبادة ولا يترتب عليها حكمها من إجزاء أو استباحة أو غير ذلك وهو غير مؤثر فيها بل هي على حكمها لو لم يكن ذلك القصد وخلاف الفقهاء في رفض الوضوء وكذا التيمم بعد الكمال غير خارج عن هذا الأصل من جهة أن الطهارة هنا لها وجهان في النظر فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغي قال إن استباحة الصلاة بها لازم ومسبب عن ذلك الفعل فلا يصح رفعه إلا بناقض طارئ ومن نظر إلى حكمهما أعني حكم استباحة الصلاة مستصحبا إلى أن يصلي وذلك أمر مستقبل فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة للطهارة وهي منسوخة بنية الرفض المنافية لها فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها لأن ذلك كالرفض المقارن للفعل وما قارن الفعل مؤثر فكذلك ما شابهه فلو انتفت [ ص: 204 ] المشابهة بأن رفض نية الطهارة بعدما أدى بها الصلاة وتم حكمها لم يصح أن يقال إنه يجب عليه استئناف الطهارة والصلاة فكذلك من صلى ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها وقد كان أتى بها على ما أمر به فإن قال من تكلم في الرفض في مثل هذا فالقاعدة ظاهرة في خلاف ما قال . ا هـ .

قلت ولما لم يجر هذان الوجهان في الغسل لما سيأتي من أن لزوم الوضوء له إنما هو في الابتداء فقط لأن اللزوم بينهما مشروط بعدم طرءان الناقض في أثناء الغسل جزم الفقهاء بعدم رفضه بعد كماله بلا خلاف وكذلك الاعتكاف لما لم يجر فيه هذان الوجهان كما لا يخفى قال الشيخ يوسف الصفتي الظاهر رفضه في الأثناء لا بعد الكمال وقد استثنى الفقهاء من هذا الأصل الحج والعمرة فأجمعوا على عدم تأثير الرفض فيهما مطلقا لما مر عن الأمير من مظنة المشقة مع وجوب إتمام فاسدهما وقضائه فافهم قال عبق والرفض لغة الترك والمراد به هنا تقدير ما وجد من العبادة كالعدم وفي شرح المجموع وضوء الشموع واستظهر شب جواز الرفض كالنقض ولعل أقله الكراهة فإن شأن النقض الحاجة وفي المحشي حمل { ولا تبطلوا أعمالكم } على المقاصد وظاهره عموم المقاصد التي هي السبعة في قول ابن عرفة فيما يجب من النوافل بالشروع

صلاة وصوم ثم حج وعمرة طواف عكوف وائتمان تحتما     وفي غيرها كالطهر والوقف خيرن
فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما

قلت أو على ما يعم الوسائل مع رفع المقاصد بغير هذا كالرياء كما ذكره المفسرون فجعلوه كقوله تعالى { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ثم إن الرفض المضر الإفساد المطلق أما إن أراد حدثا أثناء الوضوء فلم يفعل فالظاهر أنه كرفع نية الصائم لأكل شيء معين فلم يجده ويأتي أنه لا يضر لأنه في الحقيقة عزم على إفساد لم يحصل لا إفساد بالفعل ا هـ كلام الأمير قلت .

وهذا يخالف ما مر في كلام الحطاب من رواية أشهب عن مالك من تصنع لنوم فعليه الوضوء وإن لم ينم نعم في شرح المواق على المختصر وضعف المازري واللخمي وغيرهما قول مالك من تصنع لنوم فلم ينم توضأ قال اللخمي على هذا يجب الغسل على من أراد الوطء فكف ابن عرفة يشبه إرادة الفطر أثناء الصوم الرفض أثناء الوضوء لا بعده ا هـ بلفظه والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث