الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الدعاء والتوكل ومراعاة الأسباب وسؤال المخلوق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 274 ] فصل ( في الدعاء والتوكل ومراعاة الأسباب وسؤال المخلوق ) .

قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : الله هو الذي خلق السبب والمسبب والدعاء من جملة الأسباب التي يقدرها ، فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله سبحانه وتعالى والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغير ذلك ما يشاء ، والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى .

ومن ذلك طلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء ، وذكر الأخبار في ذلك إلى أن قال : فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له ، فمن قال لغيره ادع لي قصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى ، فهو نبه المسئول وأشار إليه بما ينفعهما ، والمسئول فعل ما ينفعهما ، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى فيثاب المأمور على فعله والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه لكونه دعاه إليه إلى أن قال ولم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا شيئا لم يأمر الله المخلوق المسئول بما أمر الله العبد به أمر إيجاب أو استحباب إلى أن قال : والمقصود أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق المسئول إما واجب وإما مستحب ، فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك ، بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد مسألة إلا عند الضرورة وإن كان إعطاء المال مستحبا ، ثم من طلب من غيره واجبا أو مستحبا إن كان قصده مصلحة المأمور أيضا فهذا مثاب على ذلك .

وإن كان قصده حصول مطلوبه من [ ص: 275 ] غير قصد منه لانتفاع المأمور فهذا مثاب على ذلك وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور فهذا من نفسه أتى .

ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل قد نهى عنه ; إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته ، والله تعالى يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه ويأمرنا أن نحسن إلى عباده ، وهذا لم يقصد هذا ولا هذا إلى أن قال وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال لكن فرق بين ما يؤمر العبد به وما يؤذن له فيه .

ألا ترى أنه قال في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب " إنهم لا يسترقون " وإن كان الاسترقاء جائزا ، إلى أن قال : الأصل في سؤال الخلق أن يكون محرما فإنما يباح للحاجة فإن فيه الظلم المتعلق بحق الله تعالى ، وظلم العباد ، وظلم العبد لنفسه إلى أن قال الطاعة والإيتاء لله ورسوله والخشية والتحسب لله وحده إلى أن قال ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور :

( أحدها ) أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد معه من أسباب أخرى ، ومع هذا فلها موانع ، فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود ( الثاني ) أنه لا يجوز أن الشيء سبب إلا بعلم كمن يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء ( الثالث ) أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء سببا إلا أن تكون مشروعة فإن العبادات مبناها على التوقيف والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث