الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف

( الفرق الحادي والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف ) ( دون المكلف به وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف ) هذا الموضع التبس على كثير من الفضلاء واختلطت عليهم القاعدتان فوردت إشكالات بسبب ذلك ويتضح الفرق بين هاتين القاعدتين بذكر ثلاث مسائل ( المسألة الأولى )

في كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة ثلاثة أقوال مخاطبون ليسوا مخاطبين الفرق بين النواهي فهم مخاطبون بها دون الأوامر فلا يخاطبون بها واتفقوا على أنهم مخاطبون بالإيمان وبقواعد الدين وإنما الخلاف في الفروع وتقرير هذه المسألة مبسوط في أصول الفقه وإنما المقصود بها هاهنا بيان هذا الفرق خاصة [ ص: 219 ] بسبب أن القائلين بأنهم ليسوا مخاطبين قالوا لو وجبت الصلاة عليهم لوجبت أما حالة الكفر .

وهو باطل لعدم صحتها حينئذ أو بعد الإسلام وهو أيضا باطل لانعقاد الإجماع على سقوطها بسبب الإسلام ولقوله صلى الله عليه وسلم { الإسلام يجب ما قبله } والجواب عن هذه النكتة أن نقول نختار أنها وجبت حالة الكفر وقوله أنها لا تصح قلنا مسلم ولا يلزم من ذلك عدم حصول التكليف في هذه الحالة وهذا الزمان لأنه عندنا ظرف للتكليف لا لإيقاع المكلف به وإنما يتوجه لزوم الصحة أن لو كان هذا الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به حتى نقول يصح أما ما لا يكلف به كيف يمكن وصفه بالصحة فإن وصف الصحة تابع للإذن الشرعي فحيث لا إذن لا صحة ومعنى كون هذا الزمان ظرفا للتكليف دون إيقاع المكلف به أنه أمر في زمن الكفر أن يزيله ويبدله بالإيمان ويفعل الصلاة في زمن الإسلام لا في زمن الكفر وصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط وزمن الإسلام هو زمن إيقاع المكلف به فتصورنا حينئذ أن الزمان قد يكون ظرفا للتكليف فقط وهذا الزمان بخلاف زمن رمضان فإنه زمن هو ظرف للتكليف بالصوم وإيقاعه معا وكذلك القامة للظهر فظهر بهذا الفرع الفرق بين القاعدتين واندفع بسبب معرفة الفرق السؤال المتقدم ذكره وظهر أنه غير لازم

( المسألة الثانية ) المحدث مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطب بها في زمن الحدث إجماعا والكفر هو الذي وقع الخلاف فيه أما زمن الحدث فلا ثم إن الإجماع انعقد على أن المحدث لا تصح منه الصلاة في الزمن الذي هو فيه محدث بل هو مأمور في زمن الحدث أن يزيل الحدث ويبدله بالطهارة فإذا وجد زمن الطهارة فتوقع الصلاة حينئذ فزمن الطهارة هو زمن التكليف بإيقاع الصلاة دون زمن الحدث وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط فقد تصورنا أيضا الزمان ظرفا للتكليف فقط دون إيقاع المكلف به وأما الزمان الذي هو ظرف لهما فقد تقدم تمثيله برمضان وغيره .

( المسألة الثالثة ) الدهري مكلف بتصديق الرسل عليهم السلام مع أنه جاحد للصانع ومع جحده للصانع يتعذر منه تصديق الرسل فزمن جحده للصانع ظرف للتكليف بتصديق الرسل دون إيقاع التصديق لتعذره بل هو مأمور في زمن الجهل بالصانع أن يزيل هذا الجهل ويبدله بعنده وهو العرفان فإذا حصل العرفان بالصانع ففي ذلك الزمان هو مكلف بإيقاع التصديق للرسل [ ص: 220 ] فالزمن الثاني في الكافر والمحدث والدهري هو زمن التكليف وإيقاع المكلف به وزمن الكفر والحدث وجحد الصانع هو ظرف للتكليف دون إيقاع المكلف به فتأمل الفرق بين القاعدتين والسر بين المعنيين يتيسر عليك الجواب عن أسئلة الخصوم وشبهاتهم وهو فرق لطيف شريف .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف دون المكلف به وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف )

وتحريره أن زمن الكفر والحدث وجحد الصانع هو ظرف التكليف بفروع الشريعة في الكافر وبإيقاع الصلاة في المحدث وبتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدهري وليس هو بظرف لإيقاع المكلف به لتعذره فيه وزمن إسلام الكافر وطهارة المحدث وعرفان الدهري بالصانع بعد هو ظرف لإيقاع المكلف به مع التكليف ويتضح هذا الفرق بذكر ثلاث مسائل المسألة الأولى

لا خلاف في خطاب الكفار بالإيمان وبقواعد الدين وفي خطابهم بفروع الشريعة أيضا أقوال ثالثها بالنواهي دون الأوامر وحجة القائل بأنهم ليسوا مخاطبين أنه لو وجبت الصلاة عليهم لوجبت أما حالة الكفر وهو باطل لعدم صحتها حينئذ وأما بعد الإسلام وهو أيضا باطل لانعقاد الإجماع على سقوطها بسبب الإسلام ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم { الإسلام يجب ما قبله } وحجة القائل بأنهم مخاطبون وهو الصحيح عندنا أنه لا يلزم من عدم صحة الصلاة حالة الكفر عدم حصول التكليف حينئذ لأن هذه الحالة وهذا الزمان عندنا ظرف للتكليف لا لإيقاع المكلف به وإنما يتوجه لزوم الصحة أن لو كان هذا الزمان ظرفا فالإيقاع المكلف به حتى نقول يصح أما ما لا يكلف بإيقاعه كيف يمكن وصفه بالصحة ووصف الصحة تابع للإذن الشرعي فحيث لا إذن لا صحة ومعنى كون هذا الزمان ظرفا للتكليف دون إيقاع المكلف به أنه أمر في زمن الكفر أن يزيله ويبدله بالإيمان ويفعل الصلاة في زمن الإسلام لا في زمن الكفر بحيث يصير زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط وزمن الإسلام هو زمن إيقاع المكلف به والتكليف معا كزمن رمضان والقامة للظهر ( المسألة الثانية )

لا خلاف في كون المحدث مأمورا بإيقاع الصلاة ومخاطبا بها في زمن الحدث بخلاف الكافر ففيه الخلاف المار إلا أن المحدث لا تصح منه الصلاة في الزمن الذي هو فيه محدث إجماعا بل هو مأمور في زمن الحدث أن يزيل الحدث ويبدله بالطهارة فإذا وجد زمن الطهارة أوقع الصلاة حينئذ فزمن الطهارة هو زمن التكليف بإيقاع [ ص: 223 ] الصلاة دون زمن الحدث وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط ( المسألة الثالثة )

الدهري مكلف بتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام إلا أن زمن جحده للصانع ظرف للتكليف بتصديق الرسل دون إيقاع التصديق لتعذره بل هو مأمور في زمن الجهل بالصانع أن يزيل هذا الجهل ويبدله بضده وهو العرفان فإذا حصل العرفان بالصانع كان زمان عرفانه بالصانع مكلفا بإيقاع التصديق للرسل فتأمل الفرق بين القاعدتين والسر بين المعنيين يتيسر عليك الجواب عن أسئلة الخصوم وشبهاتهم وهو فرق لطيف شريف والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث