الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

توحيد الألوهية هو المطلوب من العباد

توحيد الألوهية هو المطلوب من العباد

فتوحيد الألوهية هو المطلوب من العباد؛ ولهذا كان أصله: الإله؛ كما هو قول سيبويه، وهو الصحيح، وهو قول جمهور أصحابه إلا من شذ منهم.

وبهذا الاعتبار الذي قررنا به الإله، وأنه المحبوب؛ لاجتماع صفات الكمال فيه، كان «الله» هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وهو الذي ينكره المشركون.

ويحتج الرب سبحانه عليهم بتوحيدهم ربوبيته على توحيد ألوهيته كما قال تعالى: [ ص: 69 ] آلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون [النمل:59-60]؛ أي: يسوون غير الله تعالى بالله تعالى.

وكلما ذكر الله تعالى من آياته جملة من الجمل، قال عقبها: أإله مع الله .

فأبان سبحانه بذلك أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية، لا الربوبية، على أن منهم من أشرك أيضا في الربوبية كما سيأتي بعد ذلك.

وبالجملة: فهو تعالى يحتج على منكري الإلهية بإثباتهم الربوبية.

«والملك»: هو الآمر الناهي لا يخلق خلقا بمقتضى ربوبيته، ويتركهم سدى معطلين، لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يعاقبون، فهو الملك المعطي، المانع، الضار، النافع، المثيب، المعاقب.

ولذلك جاءت الاستعاذة في سورة «الفلق»، وسورة «الناس» بالأسماء الحسنى الثلاثة: الرب، والملك، والإله.

فإنه لما قال: قل أعوذ برب الناس [الناس: 1] كان فيه إثبات أنه ربهم، وخالقهم، وفاطرهم، ورازقهم، فبقي أن يقال: إنه تعالى لما خلقهم، هل كلفهم، وأمرهم، ونهاهم؟

قيل: نعم، فجاء: ملك الناس ، فأثبت الخلق، والأمر له ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54].

فلما قال ذلك، قيل: فإذا كان ربا موجدا، وملكا مكلفا، فهل يحب، ويرغب إليه، ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر؟ قيل: نعم، فجاء: إله الناس ؛ أي: مألوههم، ومعبودهم، ومحبوبهم الذي لا يتوجه العبد المخلوق المكلف العابد إلا له، فجاءت الإلهية خاتمة، وغاية، وما قبلها كالتوطئة لها.

وهاتان السورتان أعظم عوذة في القرآن، وجاءت الاستعاذة بهما وقت الحاجة إلى ذلك، وهو حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وخيل له أنه يفعل الشيء، [ ص: 70 ] وما فعله، وأقام على ذلك أربعين يوما كما في «الصحيح»، وكانت عقود السحر أحد عشر عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية، فانحلت بكل آية عقدة.

وتعلقت الاستعاذة في أوائل القرآن باسمه الإله الكامل في الأسماء الحسنى، والصفات العلياء المرغوب إليه في أن يستعيذ عبده الذي يناجيه بكلامه من الشيطان الحائل بينه وبين مناجاة ربه.

ثم استحب التعليق باسمه الإله الشريف في جميع المواطن التي يقال فيها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن اسمه «الله» هو الغاية لجميع الأسماء؛ ولهذا كان اسم بعده لا يتعرف إلا به، فتقول: الله هو السلام، المؤمن، المهيمن، فالجلالة تعرف غيرها، وغيرها لا يعرفها.

والذين أشركوا به تعالى في الربوبية منهم من أثبت معه خالقا آخر، وإن لم يقولوا: إنه مكافئ له، وهم المشركون، ومن ضاهاهم من القدرية.

وربوبيته سبحانه للعالم هي الربوبية الكاملة، المطلقة، الشاملة، العامة تبطل أقوالهم؛ لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما في الذوات، والصفات، والحركات، والأفعال.

وحقيقة قول القدرية المجوسية: إنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان، ولا يتناولها ربوبيته، وإذا كيف يتناول ما لا يدخل تحت قدرته، ومشيئته، وخلقه؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث