الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مراتب التوحيد

مراتب التوحيد

قال في «حجة الله البالغة»: إن للتوحيد أربع مراتب:

إحداها: حصر وجوب الوجود فيه تعالى، فلا يكون غيره واجبا.

الثانية: حصر خلق العرش، والسماوات والأرض، وسائر الجواهر فيه تعالى.

وهاتان المرتبتان لم تبحث الكتب الإلهية عنهما، ولم يخالف فيهما مشركو العرب، ولا اليهود، ولا النصارى.

بل القرآن العظيم ناص على أنهما من المقدمات المسلمة عندهم.

والثالثة: حصر تدبير السماوات والأرض، وما بينهما فيه تعالى. [ ص: 75 ]

والرابعة: أنه لا يستحق غيره العبادة، وهما متشابكتان، متلازمتان لربط طبيعي بينهما.

وقد اختلف فيها طوائف من الناس، معظمهم ثلاث فرق:

الأولى: النجامون: ذهبوا إلى أن النجوم تستحق العبادة، وأن عبادتها تنفع في الدنيا، ورفع الحاجات إليها حق.

قالوا: قد تحققنا أن لها أثرا عظيما في الحوادث اليومية، وسعادة المرء، وشقاوته، وصحته، وسقمه، وأن لها نفوسا مجردة عاقلة تبعثها على الحركة، ولا تغفل عن عبادها، فبنوا هياكل على أسمائها، وعبدوها.

الثانية: المشركون: وافقوا المسلمين في تدبير الأمور العظام، وفيما أبرم، وجزم، ولم يترك لغيره خبرة، ولم يوافقوهم في سائر الأمور.

وذهبوا إلى أن الصالحين من قبلهم عبدوا الله، وتقربوا إليه، فأعطاهم الله الألوهية، فاستحقوا العبادة من سائر خلق الله، كما أن ملك الملوك يخدمه عبده، فيحسن خدمته، فيعطيه خلعة الملك، ويفوض إليه تدبير بلد من بلاده، فيستحق السمع والطاعة من أهل ذلك البلد.

وقالوا: لا تقبل عبادة الله إلا مضمومة بعبادتهم، بل الحق في غاية التعالي، فلا تفيد عبادته تقربا منه، بل لابد من عبادة هؤلاء ليقربوا إلى الله زلفى.

وقالوا: هؤلاء يسمعون، ويبصرون، ويشفعون لعبادهم، ويدبرون أمورهم، وينصرونهم، فنحتوا على أسمائهم أحجارا، وجعلوها قبلة عند توجههم إلى هؤلاء.

فخلف من بعدهم خلف، فلم يفطنوا للفرق بين الأصنام، وبين من هي على صورته فقط، فظنوها معبودات بأعيانها، ولذلك رد الله تعالى عليهم تارة بالتنبيه على أن الحكم، والملك له خاصة، وتارة ببيان أنها جمادات: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها [الأعراف: 195]. [ ص: 76 ]

الثالثة: النصارى: ذهبوا إلى أن للمسيح -عليه السلام- قربا من الله، وعلوا على الخلق، فلا ينبغي أن يسمى عبدا، فيسوى بغيره؛ لأن هذا سوء أدب معه، وإهمال لقربه من الله.

ثم مال بعضهم عن التعبير عن تلك الخصوصية إلى تسميته: «ابن الله»؛ نظرا إلى أن الأب يرحم الابن، ويربيه على عينيه، وهو فوق العبيد، فهذا الاسم أولى به.

وبعضهم مال إلى تسميته بـ: «الله»؛ نظرا إلى أن الواجب حل فيه، وصار داخله؛ ولهذا يصدر منه آثار لم تعهد من البشر؛ مثل إحياء الأموات، وخلق الطير، فكلامه كلام الله، وعبادته هي عبادة الله.

فخلف من بعدهم خلف لم يفطنوا لوجه التسمية، وكادوا يجعلون البنوة حقيقته، أو يزعمون أنه الواجب من جميع الوجوه.

ولذلك رد الله تعالى عليهم تارة بأنه لا صاحبة له، وتارة بأنه بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة [الأنعام: 101] إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن [يس: 83]

وهذه الفرق الثلاث لهم دعاوى عريضة، وخرافات كثيرة لا تخفى على المتتبع.

وعن هاتين المرتبتين بحث القرآن العظيم، ورد على الكافرين شبهتهم ردا مشبعا. انتهى كلام الحجة.

وهذه المراتب الأربعة للتوحيد إذا تأملت فيها، وجدتها ترجع إلى القسمين اللذين سبقا في أول هذا الباب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث