الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 458 ] سورة التحريم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

قال تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك . . . ( 1 ) ) .

قوله تعالى : ( تبتغي ) : هو حال من الضمير في " تحرم " ويجوز أن يكون مستأنفا .

قال تعالى : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم . . . ( 2 ) ) .

وأصل ( تحلة ) : تحللة ، فأسكن الأول وأدغم .

قال تعالى : ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ( 3 ) ) .

و ( إذ ) : في موضع نصب باذكر .

قوله تعالى : ( عرف بعضه ) : من شدد عداه إلى اثنين ، والثاني محذوف ؛ أي عرف بعضه بعض نسائه ، ومن خفف فهو محمول على المجازاة ، لا على حقيقة العرفان ؛ لأنه كان عارفا بالجميع ، وهو كقوله تعالى : ( والله بما تعملون خبير ) [ البقرة : 234 ] ونحوه ؛ أي يجازيكم على أعمالكم .

قال تعالى : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ( 4 ) ) .

قوله تعالى : ( إن تتوبا ) : جواب الشرط محذوف ، تقديره : فذلك واجب عليكما ، أو يتب الله عليكما ، ودل على المحذوف ( فقد صغت ) لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب .

قوله تعالى : ( قلوبكما ) : إنما جمع ، وهما اثنان ؛ لأن لكل إنسان قلبا ، وما ليس في الإنسان منه إلا واحد جاز أن يجعل الاثنان فيه بلفظ الجمع ، وجاز أن يجعل بلفظ التثنية .

وقيل : وجهه أن التثنية جمع .

قوله تعالى : ( هو مولاه ) : مبتدأ ، وخبره خبر إن . ويجوز أن يكون " هو " فصلا . فأما " جبريل وصالح المؤمنين " ففيه وجهان ؛ أحدهما : هو مبتدأ ، والخبر محذوف ؛ أي مواليه . أو يكون معطوفا على الضمير في مولاه ، أو على معنى الابتداء .

[ ص: 459 ] والثاني : أن يكون مبتدأ ، و " الملائكة " معطوفا عليه ، و " ظهير " : خبر الجميع ؛ وهو واحد في معنى الجمع ؛ أي ظهراء .

قال تعالى : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ( 5 ) ) .

و ( مسلمات ) : نعت آخر ، وما بعده من الصفات كذلك .

فأما الواو في قوله تعالى : ( وأبكارا ) : فلا بد منها ؛ لأن المعنى بعضهن ثيبات وبعضهن أبكار .

قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( 6 ) ) .

قوله تعالى : ( قوا ) : في هذا الفعل عينه ؛ لأن فاءه ولامه معلتان ، فالواو حذفت في المضارع لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة ، والأمر مبني على المضارع .

قوله تعالى : ( لا يعصون الله ) : هو في موضع رفع على النعت .

قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ( 8 ) ) .

قوله تعالى : ( توبة نصوحا ) : يقرأ بفتح النون ؛ قيل : هو مصدر ، وقيل : هو اسم فاعل ؛ أي ناصحة ؛ على المجاز . ويقرأ بضمها ؛ وهو مصدر لا غير ؛ مثل القعود .

قوله تعالى : ( يقولون ) : يجوز أن يكون حالا ، وأن يكون مستأنفا .

قال تعالى : ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ( 10 ) ) .

قوله تعالى : ( امرأة نوح وامرأة لوط ) : أي مثل امرأة نوح . وقد ذكر في يس وغيرها . و ( كانتا ) : مستأنف .

[ ص: 460 ] قال تعالى : ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ( 11 ) ) .

و ( إذ قالت ) : العامل في إذ : المثل . و ( عندك ) : يجوز أن يكون ظرفا لابن ، وأن يكون حالا من " بيتا " .

قال تعالى : ( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا . . . ( 12 ) ) .

قوله تعالى : ( ومريم ) : أي واذكر مريم ، أو : ومثل مريم . و ( فيه ) : الهاء تعود على الفرج . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث