الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة النساء

جزء التالي صفحة
السابق

سورة النساء

مائة وخمس وسبعون آية وهي مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيراوإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا )

الرقيب : فعيل للمبالغة من رقب يرقب رقبا ورقوبا ورقبانا ، أحد النظر إلى أمر ليتحققه على ما هو عليه . ويقترن به الحفظ ، ومنه قيل للذي يرقب خروج السهم : رقيب .

وقال أبو داود :


كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد

والرقيب : السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء . والرقيب : ضرب من الحيات ، والمرقب : المكان العالي المشرف الذي يقف عليه الرقيب . والارتقاب : الانتظار .

الحوب : الإثم . يقال : حاب يحوب حوبا وحوبا وحابا وحؤوبا وحيابة . قال المخبل السعدي :


فلا يدخلني الدهر قبرك حوب     فإنك تلقاه عليك حسيب



وقال آخر :


وإن تهاجرين تكففاه     غرايته لقد خطيا وحابا



وقيل : الحوب بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم ، وتحوب الرجل ألقى الحوب عن نفسه كتحنث وتأثم وتحرج . وفلان يتحوب من كذا : يتوقع . وأصل الحوب : الزجر للإبل ، فسمي الإثم حوبا لأنه يزجر عنه ، وبه الحوبة : الحاجة ، ومنه في الدعاء : إليك أرفع حوبتي . ويقال : ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة .

( مثنى وثلاث ورباع ) معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة . ولا يراد بالمعدول عنه التوكيد ، إنما يراد بذلك تكرار العدد إلى غاية المعدود . كقوله : ونفروا بعيرا بعيرا [ ص: 151 ] وفصلت الحساب لك بابا بابا ، ويتحتم منع صرفها لهذا العدل ، والوصف على مذهب سيبويه والخليل وأبي عمرو ، وأجاز الفراء أن تصرف ، ومنع الصرف عنده أولى . وعلة المنع عنده العدل والتعريف بنية الألف واللام ، وامتنع عنده إضافتها لأنها في نية الألف واللام . وامتنع ظهور الألف واللام لأنها في نية الإضافة ، وقد ذكرنا الرد عليه في كتاب التكميل من تأليفنا .

وقال الزمخشري : إنما منعت الصرف لما فيها من العدلين : عدلها عن صيغتها ، وعدلها عن تكريرها . وهي نكرات تعرفن بلام التعريف يقال : فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع . انتهى كلامه . وما ذهب إليه من امتناع الصرف لما فيها من العدلين : عدلها عن صيغتها ، وعدلها عن تكررها ، لا أعلم أحدا ذهب إلى ذلك ، بل المذاهب في علة منع الصرف المنقولة أربعة : أحدها : ما نقلناه عن سيبويه . والثاني : ما نقلناه عن الفراء . والثالث : ما نقل عن الزجاج وهو لأنها معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، وأنه عدل عن التأنيث . والرابع : ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه ؛ لأنه عدل عن لفظ اثنين وعدل عن معناه . وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة ، تقول : جاءني اثنان وثلاثة ، ولا يجوز : جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع ؛ لأن هذا الباب جعل بيانا لترتيب الفعل . فإذا قال : جاءني القوم مثنى ، أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين . فأما الأعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره . فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى ، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين . انتهى ما قرر به هذا المذهب .

وقد رد الناس على الزجاج قوله : أنه عدل عن التأنيث بما يوقف عليه في كتب النحو ، و الزمخشري لم يسلك شيئا من هذه العلل المنقولة ، فإن كان تقدمه سلف ممن قال ذلك فيكون قد تبعه ، وإلا فيكون مما انفرد بمقالته . وأما قوله : يعرفن بلام التعريف ، يقال : فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع ، فهو معترض من وجهين : أحدهما : زعمه أنها تعرف بلام التعريف ، وهذا لم يذهب إليه أحد ، بل لم يستعمل في لسان العرب إلا نكرات . والثاني : أنه مثل بها ، وقد وليت العوامل في قوله : فلان ينكح المثنى ، ولا يلي العوامل ، إنما يتقدمها ما يلي العوامل ، ولا تقع إلا خبرا كما جاء : ( صلاة الليل مثنى ) . أو حالا نحو : ( ما طاب لكم من النساء مثنى ) أو صفة نحو : ( أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) وقوله :


ذئاب تبغي الناس مثنى وموحدا

[ ص: 152 ] وقد تجيء مضافة قليلا نحو قول الآخر :


بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر

وقد ذكر بعضهم أنها تلي العوامل على قلة ، وقد يستدل له بقول الشاعر :


ضربت خماس ضربة عبشمي     أدار سداس أن لا يستقيما



ومن أحكام هذا المعدول أنه لا يؤنث ، فلا تقول : مثناة ، ولا ثلاثة ، ولا رباعة ، بل يجري بغير تاء على المذكر والمؤنث . عال يعول عولا وعيالة : مال . وميزان فلان عائل . وعال الحاكم في حكمه : جار ، وقال أبو طالب في النبي صلى الله عليه وسلم :


له شاهد من نفسه غير عائل



وحكى ابن الأعرابي : أن العرب تقول : عال الرجل يعول : كثر عياله ، ويقال : عال يعيل : افتقر وصار عالة ، وعال الرجل عياله يعولهم : مانهم ، ومنه : ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) والعول في الفريضة مجاوزته لحد السهام المسماة . وجماع القول في عال : أنها تكون لازمة ومتعدية . فاللازمة بمعنى : مال ، وجار ، وكثر عياله ، وتفاقم ، وهذا مضارعه يعول . وعال الرجل : افتقر ، وعال في الأرض : ذهب فيها ، وهذا مضارعه يعيل . والمتعدية بمعنى أثقل ، ومان من المؤنة . وغلب منه أعيل صبري وأعجز . وإذا كان بمعنى أعجز فهو من ذوات الياء ، تقول : عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا أعجزني ، وباقي المتعدي من ذوات الواو .

الصدقة على وزن سمرة : المهر ، وقد تسكن الدال ، وضمها وفتح الصاد لغة أهل الحجاز . ويقال : صدقة بوزن غرفة . وتضم داله فيقال : صدقة ، وأصدقها : أمهرها .

النحلة : العطية عن طيب نفس . والنحلة الشرعة ، ونحلة الإسلام خير النحل . وفلان ينحل بكذا أي يدين به .

هنيئا مريئا : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ : إذا كان سائغا لا تنغيص فيه . ويقال : هنا يهنا بغير همز ، وهنأني الطعام ومرأني ، فإذا لم تذكر هنأني ؛ قلت : أمرأني رباعيا ، واستعمل مع هنأني ثلاثيا للإتباع . قال سيبويه : هنيئا مريئا صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل للدلالة التي في الكلام عليه كأنهم قالوا : ثبت ذلك هنيئا مريئا انتهى . وقال كثير :


هنيئا مريئا غير داء مخامر     لعزة من أعراضنا ما استحلت



قيل : واشتقاق الهنيء من هناء البعير ، وهو الدواء الذي يطلى به من الجرب ، ويوضع في عقره . ومنه قوله :


متبذل تبدو محاسنه     يضع الهناء مواضع النقب



والمريء : ما يساغ في الحلق ، ومنه قيل لمجرى الطعام في الحلقوم إلى فم المعدة : المريء . آنس كذا : أحس به وشعر . قال :


آنست شاة وأفزعها     القناص عصرا وقد دنا الإمساء

وقال الفراء : وجد . وقال الزجاج : علم . وقال عطاء : أبصر . وقال ابن عباس : عرف . وهي أقوال متقاربة . السديد من القول هو الموافق للحق منه .


أعلمه الرماية كل يوم     فلما اشتد ساعده رماني



المعنى : لما وافق الأغراض التي يرمي إليها . صلى بالنار : تسخن بها ، وصليته : أدنيته منها . التسعير : الجمر المشتعل ؛ من سعرت النار : أوقدتها ، ومنه مسعر حرب .

[ ص: 153 ] ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) الجمهور على أن هذه السورة مدنية إلا قوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) . وقال النحاس : مكية . وقال النقاش : نزلت عند الهجرة من مكة إلى المدينة . انتهى . ولا خلاف أن فيها ما نزل بالمدينة . وفي البخاري : آخر آية نزلت ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث