الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح

( الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه )

اعلم أن هذا الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة وهي أن الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته حكاه أيضا في أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه ، فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الإجارة ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذلك الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم أطاع الله تعالى طاعتين ، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ، ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية .

ويدل على هذه القاعدة أيضا من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام { إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } ومعناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم فدل ذلك على أنه لا يجوز له أن يقدم على الدعاء والسؤال إلا بعد علمه بحكم الله تعالى في ذلك السؤال ، وأنه جائز وذلك سبب كونه عليه السلام عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد ، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا فالعتب والجواب كلاهما يدل على أنه لا بد من تقديم العلم بما [ ص: 149 ] يريد الإنسان أن يشرع فيه إذا تقرر هذا فمثله أيضا قوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } نهى الله تعالى نبيه عليه السلام عن اتباع غير المعلوم فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجبا في كل حالة ، ومنه قوله عليه السلام { طلب العلم فريضة على كل مسلم } قال الشافعي رحمه الله طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها .

وفرض الكفاية ما عدا ذلك فإذا كان العلم بما يقدم الإنسان عليه واجبا كان الجاهل في الصلاة عاصيا بترك العلم فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه فهذا هو وجه قول مالك رحمه الله : إن الجهل في الصلاة كالعمد ، والجاهل كالمتعمد لا كالناسي .

وأما الناسي فمعفو عنه لقوله عليه السلام { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة فهذا فرق ، وفرق ثان وهو أن النسيان يهجم على العبد قهرا لا حيلة له في دفعه عنه ، والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم وبهذين الفرقين ظهر الفرق بين قاعدة النسيان وقاعدة الجهل

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح ) قلت : وما قاله في هذا الفرق مما وقفت عليه منه صحيح ، ووقع فيه في النسخة التي رأيتها منه نقص دل عليه الكلام فلذلك قلت ما وقفت عليه .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 149 ] الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه )

الجهل والنسيان وإن اشتركا في أن المتصف بواحد منهما غير عالم بما أقدم عليه إلا أنه يفرق بينهما من جهتين الجهة الأولى أن النسيان يهجم على العبد قهرا بحيث لا تكون له حيلة في دفعه عنه بخلاف الجهل فإن له حيلة في دفعه بالتعلم الجهة الثانية أن الأمة قد أجمعت على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة ودل قوله عليه السلام { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } على أن الناسي معفو عنه .

وأما الجهل فليس كذلك لأن من القاعدة التي حكى الغزالي في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته الإجماع عليها من أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه ، ويدل عليها من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام { إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } إذ معناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم وذلك أنه عليه السلام لما عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد ، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا .

وأجاب بما ذكر كان كلا العتب والجواب يدل على أنه لا بد من تقديم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه ، وكذا قوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } حيث نهى الله تعالى نبيه عليه السلام عن اتباع غير المعلوم ، فدل على أنه لا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم ، وكذا قوله عليه السلام { طلب العلم فريضة على كل مسلم } يعلم أن طلب العلم واجب عينا في كل حالة يقدم عليها الإنسان فمن باع يجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ، ومن آجر يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في الإجارة ، ومن قارض يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة ، وهكذا الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله تعالى طاعتين ، ومن لم يعمل فقد عصى الله معصيتين ، ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية فمن هنا قال الشافعي رحمه الله تعالى طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ، ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها وفرض الكفاية ما عدا ذلك .

وقال مالك رحمه الله إن الجهل في الصلاة كالعمد ، والجاهل كالمتعمد لا كالناسي بل قال العلامة الأمير في شرحه على نظم بهرام فيما لا يعذر فيها بالجهل للقاعدة أن الجاهل في [ ص: 163 ] العبادات كالعامد ا هـ وذلك أنه بتركه الواجب عليه من العلم بما يقدم عليه من نحو الصلاة كان عاصيا كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه . والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث