الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كشف الغطاء عن التوحيد

كشف الغطاء عن التوحيد

وبالجملة: قال الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن القيم - رحمه الله تعالى- في كتابه: «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»:

كشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله -عز وجل- أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السماوات والأرض ليعرف، ويود، ويعبد، ويكون الدين كله لله، والطاعة كلها له، والدعوة له كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56].

وقال: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الحجر: 85].

وقال: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [الطلاق: 12].

وقال: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [المائدة: 97]. [ ص: 94 ]

فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده، لا يشرك به شيء، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض.

كما قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25].

فأخبر أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل.

ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو رأس العدل، وقوامه، وإن الشرك لظلم عظيم.

فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل.

فما كان أشد منافاة لهذا المقصود، فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له.

وما كان أشد موافقة لهذا المقصود، فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات.

فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به تفاصيله، تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات، والمعاصي.

فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود، كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدة لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة.

فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله؛ حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه. انتهى. [ ص: 95 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث