الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 90 ] باب المسائل التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب فيها بما يطابق الحق الموافق لما تشهد به الكتب المتقدمة الموروثة عن الأنبياء قبله

قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش ، وبعثت إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : سلوه عن الروح ، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا ، وعن رجل طواف في الأرض بلغ المشارق والمغارب . فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ، عز وجل ، قوله تعالى : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ سورة الإسراء ] وقرأ الأعمش : " وما أوتوا من العلم إلا قليلا " . وأنزل سورة " الكهف " يشرح فيها خبر الفتية الذين فارقوا دين قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد ، وأفردوه بالعبادة ، واعتزلوا قومهم ، ونزلوا غارا وهو الكهف ، فناموا فيه ، ثم أيقظهم الله بعد ثلاثمائة سنه وتسع سنين ، وكان من أمرهم ما قص الله علينا في كتابه العزيز ، ثم قص خبر الرجلين المؤمن والكافر ، وما كان من أمرهما ، ثم ذكر خبر موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ ، ثم قال : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا [ سورة الكهف ] . ثم شرح خبره وما وصل إليه من المشارق والمغارب ، وما عمل من المصالح في العالم ، وهذا الإخبار هو الواقع ، وإنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب ما كان منها حقا ، وأما ما كان محرفا مبدلا فذاك مردود ، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب; ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الأخبار والأحكام . قال الله تعالى بعد ذكره التوراة والإنجيل وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه [ سورة المائدة ] . وذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد الله بن سلام ، وأنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فكنت فيمن انجفل ، فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول ما سمعته يقول : أيها الناس ، أفشوا السلام وصلوا الأرحام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام "

وثبت في " صحيح البخاري " وغيره من حديث إسماعيل بن علية وغيره ، عن حميد ، عن أنس ، قصة سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث لا [ ص: 92 ] يعلمهن إلا نبي; ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخبرني بهن جبريل آنفا " . ثم قال : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه وقد رواه البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن أبي معشر عن سعيد المقبري ، فذكر مساءلة عبد الله بن سلام ، إلا أنه قال : فسأله عن السواد الذي في القمر . بدل أشراط الساعة . فذكر الحديث إلى أن قال : وأما السواد الذي في القمر ، فإنهما كانا شمسين فقال الله ، عز وجل : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل [ الإسراء : 12 ] . فالسواد الذي رأيت هو المحو ، فقال عبد الله بن سلام : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله

حديث آخر في معناه : قال الحافظ البيهقي : أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس ، ثنا عثمان بن سعيد ، أنا الربيع بن نافع أبو توبة ، ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام ، يقول : أخبرني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان حدثه قال : كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود ، فقال : السلام عليك يا [ ص: 93 ] محمد . فدفعته دفعة كاد يصرع منها . قال : لم تدفعني؟ قال : قلت : ألا تقول يا رسول الله؟! قال : إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد " . فقال اليهودي : جئت أسألك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينفعك شيء إن حدثتك؟ " قال : أسمع بأذني . فنكت بعود معه ، فقال له " سل " . فقال له اليهودي : أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في الظلمة دون الجسر " . قال : فمن أول الناس إجازة؟ قال : " فقراء المهاجرين " . قال اليهودي : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال : " زيادة كبد نون " . قال : وما غذاؤهم على إثره؟ قال : " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها " . قال : فما شرابهم عليه؟ قال : " من عين فيها تسمى سلسبيلا " . قال : صدقت . قال : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان . قال " ينفعك إن حدثتك؟ " قال : أسمع بأذني . قال : جئت أسألك عن الولد . قال : " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله . وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله " . فقال اليهودي : صدقت وإنك لنبي . ثم انصرف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه سألني هذا الذي سألني عنه وما أعلم شيئا منه حتى أتاني الله به " وهكذا رواه مسلم ، عن الحسن بن علي الحلواني ، عن أبي توبة الربيع بن نافع به . وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سلام ، ويحتمل أن [ ص: 94 ] يكون غيره . والله أعلم .

حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، حدثني ابن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود يوما النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي . قال : " سلوني عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقا لتبايعني على الإسلام " . قالوا : لك ذلك . قال : " سلوا عما شئتم " . قالوا : أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنها; أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا ، وكيف تكون الأنثى حتى تكون أنثى ، وأخبرنا كيف هذا النبي في النوم ، ومن وليك من الملائكة . قال : " فعليكم عهد الله لئن أنا حدثتكم لتبايعني " . فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق . قال : " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا وطال سقمه فيه ، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه ، وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل ، وأحب الطعام إليه لحمان الإبل؟ " قالوا اللهم نعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اشهد عليهم " . قال : [ ص: 95 ] " فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض ، وأن ماء المرأة رقيق أصفر ، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله ، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ " قالوا : اللهم نعم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اشهد عليهم " . قال : " وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ " قالوا : اللهم نعم . قال : " اللهم اشهد عليهم " . قالوا : أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك . قال : " وليي جبريل عليه السلام ، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه " . قالوا : فعندها نفارقك ، لو كان وليك غيره من الملائكة لتابعناك وصدقناك . قال : " فما يمنعكم أن تصدقوه؟ " قالوا : إنه عدونا من الملائكة . فأنزل الله عز وجل : قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله الآية [ البقرة : 97 ] . ونزلت فباءوا بغضب على غضب الآية [ البقرة : 90 ]

حديث آخر : قال الإمام أحمد : ثنا يزيد ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، سمعت عبد الله بن سلمة يحدث ، عن صفوان بن عسال المرادي قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات [ الإسراء : 101 ] . فقال : لا تقل له : نبي . فإنه [ ص: 96 ] لو سمعك لصارت له أربع أعين . فسألاه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا محصنة أو قال : لا تفروا من الزحف . شعبة الشاك - وأنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت " . قال : فقبلا يديه ورجليه وقالا : نشهد أنك نبي . قال : " فما يمنعكما أن تتبعاني؟ " قالا : إن داود ، عليه السلام ، دعا أن لا يزال من ذريته نبي ، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه و ابن جرير والحاكم والبيهقي من طرق ، عن شعبة به . وقال الترمذي : حسن صحيح . قلت : وفي رجاله من تكلم فيه ، وكأنه اشتبه على الراوي التسع الآيات بالعشر الكلمات ، وذلك أن الوصايا التي أوحاها الله إلى موسى وكلمه بها ليلة الطور بعدما خرجوا من ديار مصر وشعب بني إسرائيل حول الطور حضور ، وهارون ومن معه من العلماء وقوف على الطور أيضا ، وحينئذ كلم الله موسى آمرا له بهذه العشر كلمات ، وقد فسرت في هذا الحديث ، وأما التسع الآيات فتلك دلائل ، وخوارق عادات أيد بها موسى ، عليه السلام ، وأظهرها الله على يديه بديار مصر ، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والجدب ونقص الثمرات ، وقد بسطنا [ ص: 97 ] القول على ذلك في " التفسير " بما فيه كفاية . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث