الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله .

التنبيه على ذكر معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله ، أو أعلى منها ، خارجا عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم تكن لأحد قبله منهم ، عليهم السلام .

فمن ذلك القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فإنه معجزة مستمرة على الآباد ، ولا يخفى برهانها ، ولا ينخفض شأنها ، وقد تحدى به الثقلين من الجن والإنس على أن يأتوا بمثله [ ص: 306 ] أو بعشر سور أو بسورة من مثله ، فعجزوا عن ذلك ، كما تقدم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات ، وقد سبق الحديث المتفق على إخراجه في " الصحيحين " من طريق الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . والمعنى أن كل نبي قد أوتي من خوارق العادات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولي البصائر والنهى ، لا من أهل العناد والشقاء ، " وإنما كان الذي أوتيته " ‏ ; أي جله وأعظمه وأبهره ، القرآن الذي أوحاه الله إليه ، فإنه لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء وانقضت بانقضاء أيامهم فلا تشاهد ، بل يخبر عنها بالتواتر أو الآحاد ، بخلاف القرآن العظيم ، فإنه معجزة متواترة عنه ، مستمرة دائمة البقاء بعده ، مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد .

وقد تقدم في الخصائص ذكر ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بقية إخوانه من الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، كما ثبت في " الصحيحين " عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ; [ ص: 307 ] نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة . وقد تكلمنا على ذلك وما شاكله فيما سلف بما أغنى عن إعادته ، ولله الحمد .

وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كل معجزة لنبي من الأنبياء فهي في الحقيقة معجزة لخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ; وذلك أن كلا منهم بشر بمبعثه ، وأمر بمتابعته ، كما قال تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [ آل عمران : 82 ، 81 ] .

وقد ذكر البخاري وغيره عن ابن عباس ، رضي الله عنه ، أنه قال : ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد والميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ، وأمره أن يأخذ العهد على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . .

وذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء ; لأن الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه ، وثواب إيمانه به . [ ص: 308 ] والمقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أني وقفت على مولد اختصره من " سيرة " الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيرها شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري السماكي - نسبة إلى أبي دجانة سماك بن خرشة الأوسي ، رضي الله عنه - شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة ، المعروف بابن الزملكاني ، رحمه الله وبل بالرحمة ثراه ، وقد ذكر في أواخره شيئا من فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعقد فصلا في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة ، ونبه على فوائد جمة ، وفرائد مهمة ، وترك أشياء أخرى حسنة ، ذكرها غيره من الأئمة المتقدمين ، ولم أره استوعب الكلام إلى آخره فإما أنه قد سقط من خطه ، أو أنه لم يكمل تصنيفه ، فسألني بعض أهله من أصحابنا ممن تتأكد إجابته ، وتكرر ذلك منه في تكميله وتذييله وترتيبه ، وتهذيبه ، والزيادة عليه والإضافة إليه ، فاستخرت الله حينا من الدهر ، ثم نشطت لذلك ابتغاء الثواب والأجر ، وقد كنت سمعت من شيخنا الإمام العلامة الحافظ الجهبذ أبي الحجاج المزي ، تغمده الله تعالى برحمته ، أن أول من تكلم في هذا المقام الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي .

وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي ، رحمه الله ، في كتابه " دلائل النبوة " عن شيخه الحاكم أبي عبد الله ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن ، أنا عبد الرحمن [ ص: 309 ] بن أبي حاتم الرازي ، عن أبيه قال عمرو بن سواد : قال الشافعي : ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم . فقلت : أعطى عيسى إحياء الموتى . فقال : أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه ; حين هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته ، فهذا أكبر من ذاك . هذا لفظه ، رضي الله عنه . والمراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب التنبيه على شرف ما أعطى الله أنبياءه ، عليهم السلام ، من الآيات البينات ، والخوارق القاطعات ، والحجج الواضحات ، وأن الله تعالى جمع لعبده ورسوله سيد الأنبياء وخاتمهم من جميع أنواع المحاسن والآيات ، مع ما اختصه الله به مما لم يؤت أحدا قبله ، كما ذكرنا من خصائصه وشمائله ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . ووقفت على فصل مليح في هذا المعنى في كتاب " دلائل النبوة " للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ، وهو كتاب حافل في ثلاث مجلدات ، عقد فيه فصلا في هذا المعنى ، وكذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه " دلائل النبوة " وهو كتاب كبير جليل حافل ، مشتمل على فوائد نفيسة ، وكذا الصرصري الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك أيضا ، كما سيأتي ، وها أنا أذكر بعون الله تعالى مجامع ما ذكر من هذه الأماكن المتفرقة [ ص: 310 ] بأوجز عبارة ، وأقصد إشارة ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم ، العلي العظيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث