الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا

( الفرق الرابع والثلاثون والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا )

اعلم أنه إذا حلف ليفعلن كذا وتعذر الفعل عقلا لم يحنث إذا لم يمكنه الفعل قبل ذلك فإن أمكنه ثم [ ص: 86 ] تعذر حنث والفرق بين التعذر العقلي وغيره أن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحنث على الفعل الممكن لهم أما المتعذر عقلا فلم يوضع اللفظ في القسم حاثا عليه فلذلك المتعذر عقلا لا يوجب حنثا لأن الحلف على الشيء مشروط بإمكانه وفوات الشرط يقتضي عدم المشروط فلا يبقى الفعل محلوفا عليه فلا يضره عدم فعله أما التعذر العادي أو الشرعي الذي يكون الفعل معه ممكنا عادة فهذا مندرج في اليمين عملا بظاهر اللفظ فإن الحلف اقتضى الفعل في جميع الأحوال إلا ما دل الدليل على إخراجه وقيل المتعذرات كلها سواء وفي الفرق عدة مسائل ( المسألة الأولى )

إذا حلف ليذبحن الحمامة فقام مكانه فوجدها ميتة قال ابن القاسم والشافعي لا حنث عليه بخلاف لو حلف ليبيعن أمته فيجدها حاملا عند ابن القاسم يحنث لأن المانع شرعي وسوى بينهما سحنون في عدم الحنث قال مالك الحالف ليضربن امرأته إلى سنة فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر قال عبد الحق في تهذيب الطالب إن حلف ليركبن الدابة فتسرق يحنث عند ابن القاسم لأن الفعل ممكن عادة وإنما منعه السارق بخلاف موت الحمام وقال أشهب لا يحنث لأنه متعذر بسبب السرقة فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عقلا ومنع الغاصب والمستحق كالسارق وإن حلف ليضربن عبده فكاتبه أو ليبيعن أمته فوجدها حاملا يحنث لأن المانع شرعي والفعل ممكن وقال سحنون لا يحنث لأنه متعذر وإن حلف ليطأها فوجدها حائضا يخرج الحنث على الخلاف .

وقال أشهب إن حلف ليصومن رمضان وشوالا إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث

( تنبيه ) ومعنى قول الأصحاب الفعل متعذر عقلا يريدون أن فعله من خوارق العادات وإلا فيمكن عقلا أن الله تعالى يحيي الحمام والحيوان حتى يتأتى فيه أفعال الأحياء لكن ذلك خارق للعادة بخلاف السارق ونحوه لا يقال إن الفعل مستحيل عادة فإن من الممكن عادة القدرة على السارق والغاصب ويفعل ما حلف عليه فهذا تحرير القاعدتين والفرق بينهما .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الرابع والثلاثون والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا )

وهو أن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحث على الفعل الممكن لهم فالحلف على الشيء مشروط بإمكانه والمتعذر عقلا ليس بممكن فلم يوضع اللفظ في القسم حاثا عليه فلا يوجب حنثا لأن فوات الشرط يوجب عدم المشروط فإذا حلف ليفعلن [ ص: 109 ] كذا وتعذر الفعل عقلا لم يحنث إلا إذا أمكنه الفعل قبل ذلك ثم تعذر فإنه يحنث والمراد بالمتعذر عقلا ما كان فعله من خوارق العادات فلذا قال ابن القاسم والشافعي إذا حلف ليذبحن الحمامة فقام مكانه فوجدها ميتة لا حنث عليه وقال مالك الحالف ليضربن امرأته إلى سنة فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر فجعلوا موت الحمام والحيوان من المتعذر عقلا مع أنه يمكن عقلا أن الله تعالى يحي الحمام والحيوان حتى يتأتى فيه أفعال الأحياء لكن ذلك خارق للعادة أما المتعذر عادة وهو ما يكون الفعل معه ممكنا شرعا وعقلا أو المتعذر شرعا وهو ما يكون الفعل معه ممكنا عادة وعقلا فهما مندرجان في اليمين عملا بظاهر اللفظ فإن الحلف اقتضى الفعل في جميع الأحوال إلا ما دل الدليل على إخراجه وقيل المتعذرات كلها سواء قال عبد الحق في تهذيب الطالب إن حلف ليركبن الدابة فتسرق يحنث عند ابن القاسم لأن الفعل أي في ذاته ممكن عادة وإنما منعه السارق بخلاف موت الحمام وقال أشهب لا يحنث لأنه متعذر أي عادة بسبب السرقة فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عقلا ومنع الغاصب والمستحق كالسارق وإن حلف ليضربن عبده فكاتبه أو ليبيعن أمته فوجدها حاملا يحنث لأن المانع شرعي والفعل أي في ذاته ممكن أي عادة وعقلا .

وقال سحنون لا يحنث لأنه متعذر أي شرعا وإن حلف ليطأها فوجدها حائضا يخرج الحنث على الخلاف وقال أشهب إن حلف ليصومن رمضان وشوالا إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث وليس الفعل مع السارق ونحوه بمستحيل عادة لأن من الممكن عادة القدرة على السارق والغاصب ويفعل ما حلف عليه كذا في الأصل وسلمه ابن الشاط وفي المجموع وشرحه وحاشيتيه ما حاصله وحنث بفوت ما حلف عليه حيث لا نية له إن قدر مثلا ولا بساط بذلك ولو لمانع شرعي مطلقا أي تأخر أم لا فرط أم لا أقت أم لا ومن المانع الشرعي أن يحلف ليصومن غدا فمرض فإنه دائر بين العادي حيث لم يطلقه والشرعي لحرمة ضرر نفسه وأما إن ظهر أنه عيد فنقل السيد عند قوله أن يكره عن عج عن ابن عرفة عدم الحنث لأن بساط يمينه إن كان يصام ومن المانع الشرعي أيضا حلفه ليبيعن الأمة فوجدها حملت منه أو ليطأنها الليلة فحاضت فيها فيحنث فيهما وأما ليطأنها وأطلق فينتظر طهرها وانظر لم لا يجعلونهما كمسألة يوم العيد السابقة .

وكأنه لما كان الحمل والحيض من الأمور التي تطرأ أرجعوهما للموانع وأما العيدية فذاتية يوم العيد لا تنفك عنه على أن مسائل الأيمان خلافية جدا فربما وقع فيها تلفيق من قولين فلم تجر على وتيرة واحدة كعادي متأخر [ ص: 110 ] عن اليمين فرط أم لا أقت أم لا كسرقة الحمام في ليذبحنه كعقلي تشبيه بالعادي في الحنث مع التأخر وقوله إن فرط ولم يؤقت قيد في المشبه فإن بادر وأقت ولم يبادر فلا حنث قال البليدي ومن أمثلة ذلك ما إذا حلف ضيف على صاحب الدار لا يذبح فتبين أنه قد ذبح أو ليفتضن زوجته فوجد عذرتها سقطت فلا حنث أي لأن رفع الواقع وتحصيل الحاصل محال عقلا فهو مانع متقدم ومن حسن نظم عج :

إذا فات محلوف عليه لمانع إذا كان شرعيا فحنثه مطلقا     كعقلي أو عاد إن يتأخر
وفرط حتى فات دام لك البقا     وإن وقت أو قد كان منه تبادر
فحنثه بالعادي لا غير حققا     وإن كان كل قد تقدم منهما
فلا حنث في حال فخذه محققا

ا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث