الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 613 ] بسم الله الرحمن الرحيم سنة أربع عشرة من الهجرة .

استهلت هذه السنة ، والخليفة عمر بن الخطاب ، يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق ; وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر ، وانتظام شمل الفرس ، واجتماع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك ، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم ، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم ، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم ، وقد كتبعمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد .

قال ابن جرير ، رحمه الله : وركب عمر ، رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة ، فنزل على ماء يقال له : صرار . فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه ، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب ، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة ، ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه ، ونودي : إن الصلاة جامعة . وقد أرسل إلى علي ، فقدم من المدينة ، ثم استشارهم ، فكلهم وافقه على الذهاب إلى العراق ، إلا عبد الرحمن بن عوف ، فإنه قال له : إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمين في سائر أقطار الأرض ، وإني أرى أن تبعث رجلا ، وترجع أنت إلى المدينة . فأرفأ عمر [ ص: 614 ] والناس عند ذلك ، واستصوبوا رأي ابن عوف . فقال عمر : فمن ترى أن نبعث إلى العراق ؟ فقال : قد وجدته . قال : ومن هو ؟ قال : الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري . فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد ، فأمره على العراق ، وأوصاه فقال : يا سعد بني وهيب ، لا يغرنك من الله أن قيل : خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه . فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ; الله ربهم ، وهم عباده ، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة ، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه ; فإنه الأمر ، هذه عظتي إياك ، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين . ولما أراد فراقه قال له : إنك ستقدم على أمر شديد ، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك تجمع لك خشية الله ، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين ; في طاعته واجتناب معصيته ، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة ، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة ، وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء ، منها السر ومنها العلانية ; فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء ، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه ، وبمحبة الناس ، فلا تزهد في التحبب ، فإن النبيين قد سألوا محبتهم ، وإن الله إذا أحب عبدا حببه ، وإذا أبغض عبدا بغضه ، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس . قالوا : فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ; ثلاثة آلاف [ ص: 615 ] من أهل اليمن ، وألف من سائر الناس . وقيل : في ستة آلاف . وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص ، وقام عمر في الناس خطيبا هنالك فقال : إن الله إنما ضرب لكم الأمثال ، وصرف لكم القول ليحيي به القلوب ، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله ، من علم شيئا فلينتفع به ، فإن للعدل أمارات وتباشير ; فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين ، وأما التباشير فالرحمة ، وقد جعل الله لكل أمر بابا ، ويسر لكل باب مفتاحا ; فباب العدل الاعتبار ، ومفتاحه الزهد ، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأعمال ، والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف ، فإن من لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء ، إني بينكم وبين الله ، وليس بيني وبينه أحد ، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه ، فأنهوا شكاتكم إلينا ، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع . ثم سار سعد إلى العراق ، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة ، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود ، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير ، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه ، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر ، فمات رحمه الله ورضي الله عنه ، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية ، ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى ، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها ، ولم يبق [ ص: 616 ] بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره ، وأمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا ، وقيل : ستة وثلاثون . وقال عمر : والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب . وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل ، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش ، وأن يواعدهم إلى القادسية ، ففعل ذلك سعد ; عرف العرفاء ، وأمر على القبائل ، وولى على الطلائع ، والمقدمات ، والمجنبات والساقات ، والرجالة ، والركبان ، كما أمر أمير المؤمنين عمر .

قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا : وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النور ، وجعل إليه الأقباض وقسمة الفيء ، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان الفارسي ، وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان . قالوا : وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة وبضعة عشر صحابيا ، منهم بضعة وسبعون بدريا ، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة ، رضى الله عنهم .

وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية ، والقادسية باب فارس في الجاهلية ، وأن يكون منزله بين الحجر والمدر ، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس ، وأن يبدروهم بالضرب والشدة ، ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم ، [ ص: 617 ] فإنهم قوم خدعة مكرة ، فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم لقتاله ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم ، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا ، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم ، وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل ، حتى يأتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة ، وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه ، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر ، فإن النصر يأتي من الله على قدر النية ، والأجر على قدر الحسبة ، وسلوا الله العافية ، وأكثروا من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله . واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها ، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم ، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم ، واجعلني من أمركم على الجلية ، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء ، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له ، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم .

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها ، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله ، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم ، وأمر الله بعد ماض ، وقضاؤه مسلم لنا إلى ما قدر لنا وعلينا ، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية .

[ ص: 618 ] وكتب إليه عمر : قد جاءني كتابك وفهمته ، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم ، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم ، فلا تشكن في ذلك ، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن ; فإنه خرابها ، إن شاء الله . وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة .

ولما بلغ سعد العذيب اعترض المسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن آزاذويه ، فغنموا مما معه شيئا كثيرا ، ووقع منهم موقعا كبيرا ، فخمسها سعد ، وقسم أربعة أخماسها في الناس ، واستبشر الناس بذلك وفرحوا وتفاءلوا ، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم ، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث