الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح

( الفرق الحادي والأربعون والمائة بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة وهم أخو الأم وعم الأم وجد الأم وبنو الأخوات والبنات والعمات ونحوهم ممن يدلي بأنثى وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح وهم الآباء والأبناء والجدود والعمومة والإخوة الشقائق وإخوة الأب )

والفرق بين الفرقين أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه إلا من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة لمحافظته على مصلحة نفسه فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الإكفاء ودرء العار عن النسب وخالف الشافعي رضي الله عنه في الابن فقال لا ولاية له واحتج على ذلك بوجوه

( أحدها ) قول النبي صلى الله عليه وسلم { أيما امرأة أنكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل } والابن لا يسمى مولى

( وثانيها ) أنه يدلي بها فلا يزوجها كتزويجها لنفسها فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل ولما أدلى بها صار في معناها

( وثالثها ) أنه شخص لا تصح من أبيه الولاية فلا تصح منه كابن الخال مع الخال . والجواب عن الأول أنه روي { بغير إذن وليها } وهو وليها لأن الولاية من القرب لقول العرب هذا يلي هذا أي يقرب منه وابنها أقرب إليها من غيره لأنه جزؤها وجزء الشيء أقرب إليه من الأمور الخارجة عنه هذا على هذه الرواية وعلى الرواية الأخرى نقول المولى له معان كثيرة في لسان العرب منها الناصر لقوله تعالى { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } أي ناصره ومنه قوله تعالى { وأن الكافرين لا مولى لهم } أي لا ناصر لهم وهو كثير والابن ناصر أمه فيكون هو مولاه وهذا الاحتمال أولى لأن فيه جمعا بين الروايتين وعن الثاني الفرق بقوة عقله الناشئ عن الذكورية وضعف عقلها الناشئ عن الأنوثة وعن الثالث أنه جزء منها فيتعلق به عارها بخلاف أبيه وابن الخال فإن ابن الخال بعيد عنها لا تنكيه فضيحتها كما تنكي ابنها بل يجب أن يكون الابن مقدما على جميع الأولياء لأنه جزؤها وجزؤها أمس بها من الأمور الخارجة والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج [ ص: 103 ] وسياسة الخصوم وأضبط للفقه ويقدم في الحروب من هو أعرف بمكايد الحروب وسياسة الجند والجيوش .

ويقدم في الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه وفي أمانة الحكم على الأيتام من هو أعرف بتنمية الأموال وأعرف بمقادير النفقات والكلف والجدال في الخصام ليناضل عن الأيتام ويقدم في سعاية الزكاة من هو أعرف بنصبها والواجب فيها وأحكام الزكاة من الاختلاط والافتراق وأقوى خرصا للثمار وربما كان المقدم في باب مؤخرا في باب آخر كما قدم الرجال في الحروب والإمامة وأخروا في الحضانة وقدم النساء عليهم بسبب مزيد شفقتهن وصبرهن على الأطفال فكن لذلك أكمل في الحضانة من الرجال فإن مزيد إنفاقهم يمنعهم من تحصيل مصالح الأطفال فلهذه القاعدة قدم الابن على غيره فإنا نعلم بالضرورة أن ابن الإنسان أشفق عليه من ابن عمه لا سيما إذا بعد ويقدم كل ولي على غيره من الأولياء إذا كانت صفته أقرب وحاله على حسن النظر أكثر من غيره فيقدم لذلك .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والأربعون والمائة بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة وهم أخو الأم وعم الأم وجد الأم وبنو الأخوات والبنات والعمات ونحوهم ممن يدلي بأنثى وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح وهم الآباء والأبناء والجدود والعمومة والإخوة الشقائق وإخوة الأب ) وهو أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه من لم يكن له نسب كذوي الأرحام وإنما يدخل فيه من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة لمحافظته على مصلحة نفسه فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الإكفاء ورده العار عن النسب وخالف الشافعي رضي الله تعالى عنه في الابن فقال لا ولاية له محتجا على ذلك بثلاثة وجوه

( أحدها ) قول النبي صلى الله عليه وسلم { أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها فنكاحها باطل } والابن لا يسمى مولى

( وثانيها ) أنه يدلي بها فلا يزوجها كتزويجها لنفسها فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل ولما أدلى بها صار في معناها

( وثالثها ) أنه شخص لا تصح من أبيه الولاية فلا تصح منه كابن الخال مع الخال

( والجواب ) عن الثلاثة الوجوه أما عن الأول فبوجهين

( الأول ) أن الحديث كما روي بغير إذن مواليها كذلك روي { بغير إذن وليها } والابن ولي أمه لأن الولاية من القرب لقول العرب هذا يلي هذا أي يقرب منه ولا شك أن ابنها أقرب إليها من غيره لأنه جزؤها وجزء الشيء أقرب إليه من الأمور الخارجة عنه

( الوجه الثاني ) أن المولى في الحديث على روايته بغير إذن مواليها لا نسلم أن المراد به خصوص السيد حتى يصح أن يقال لا يسمى الابن مولى بل المولى له معان كثيرة في لسان العرب فيحتمل أن [ ص: 127 ] يكون المراد به في الحديث منها الناصر بقوله تعالى { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } أي ناصره وقوله تعالى { وأن الكافرين لا مولى لهم } أي لا ناصر لهم وهو كثير والابن ناصر أمه فيكون هو مولاها بل هذا الاحتمال أولى لأن فيه جمعا بين الروايتين

( وأما عن الثاني ) فبالفرق بقوة عقله الناشئ عن الذكورية وضعف عقلها الناشئ عن الأنوثة

( وأما عن الثالث ) فبأنه جزء منها فيتعلق به عارها بخلاف أبيه وابن الخال فإن ابن الخال بعيد عنها لا تنكيه فضيحتها كما تنكي ابنها بل يجب أن يكون الابن مقدما على جميع الأولياء حتى الأب لأنه جزؤها وجزؤها أمس بها من الأمور الخارجة نعم في شب أن أب المجنونة مقدم في الجبر على ابنها والابن مقدم عليه في الولاية . ا هـ

لكنه غير المعقول إلا أن يؤول بأن في سببيته أي مقدم بسبب الجبر على ابن المجنونة والابن من زنى مثلا لأن الجبر ولاية وزيادة فلا يلزم أن الابن له جبر ، والابن مقدم في الولاية التي لا جبر فيها وهي الآتية في العصبات أفاده الأمير في شرح المجموع وضوء الشموع والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج وسياسة الخصوم وأضبط للفقه وفي الحروب من هو أعرف بمكايدها وسياسة الجند أو الجيوش وفي الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه وفي أمانة الحكم على الأيتام من هو أعرف بتنمية الأموال ومقادير النفقات والكلف والجدال في الخصام ليناضل عن الأيتام وفي سعاية الزكاة من هو أعرف بنصابها والواجب فيها وأحكام الزكاة من الاختلاط والافتراق وأقوى خرصا للثمار وربما كان المقدم في باب مؤخرا في باب آخر كما قدم الرجال في الحروب والإمامة وأخروا في الحضانة فإن مزيد إنفاقهم يمنعهم من تحصيل مصالح الأطفال وأخر النساء في الحروب والإمامة وقدمن في الحضانة عليهم فإنهن بسبب مزيد شفقتهن وصبرهن على الأطفال أكمل فيها منهم فلهذه القاعدة يقدم كل ولي تكون صفته أقرب على غيره من الأولياء لأن صفة أقربيته تكون حاثة على حسن النظر أكثر من غيره ونحن نعلم بالضرورة أن ابن الإنسان أشفق عليه من ابن عمه لا سيما إذا بعد وفي بداية المجتهد أن الشافعي اعتبر أن الولد ليس من عصبتها لحديث عمر { لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان } ولم يعتبره مالك في الابن لحديث { أم سلمة أن النبي [ ص: 128 ] صلى الله عليه وسلم أمر ابنها أن ينكحها إياه } ولأنهم اتفقوا أعني مالكا والشافعي على أن الابن يرث الولاء الواجب للأم ، والولاء للعصبة ا هـ . فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث