الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات

( الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات )

اعلم أن البابين وإن استويا في صحة الاستثناء غير أن الاستثناء من الصفات يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل في الظاهر بخلاف الاستثناء من الذوات وبيان ذلك بمسألتين

المسألة الأولى نقل صاحب الجواهر ، وقاله ابن أبي زيد في النوادر إن القائل إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة إن كان مستفتيا .

وقال نويت ذلك وفي موضع لو سكت لم يكن طلاقا لم يلزمه شيء ؛ لأنه طلاق بغير نية وإن كان عليه بينة فيختلف فيه ؛ لأنه آت بما لا يشبه كما لو قال إن شاء هذا الحجر ، ويختلف إذا قال أنت طالق أمس إلا واحدة ؛ لأنه ليس مستثنيا للأول وإن قال طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وأعاد الاستثناء على الواحدة يقع عليه اثنتان ، وكذلك إذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة فإنه يلزمه طلقتان إن أعاده على طلقة أو ثلاث إن أعاده على الواحدة وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند الفقهاء وتقريرها وإيضاحها أن تقول قوله أنت طالق واحدة معناه طلقة واحدة والطلاق مصدر قد وصفه بالوحدة فهاهنا حينئذ صفة وموصوف في كلامه فإن قصد رفع الصفة دون الموصوف فقد رفع بعض ما نطق به فيصح ولنا قاعدة عقلية أن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفع أحدهما تعين ثبوت الآخر كقولك هذا العدد ليس بزوج يتعين أن يكون فردا .

وليس بفرد يتعين أن يكون زوجا ؛ لأنه لا واسطة بين الزوج والفرد في العدد ، وكذلك هاهنا لا واسطة بين الوحدة والكثرة في حقيقة المصدر فإذا رفع الوحدة من مصدر الطلاق تعين ضدها وهو الكثرة وأقل مراتب الكثرة اثنان فيلزمه طلقتان ؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزائد عليهما وهذه المسألة لها ست حالات الحالة الأولى ما تقدم الحالة الثانية أن يقصد بقوله واحدة قبل الاستثناء الصفة وحدها .

ثم يستثنيها فاستثناؤه باطل ؛ لأنه رفع جملة ما وضعه أولا الحالة الثالثة أن يقصد بقوله واحدة نفس الطلاق من حيث [ ص: 167 ] هو طلاق ولا يأخذه بقيد الوحدة ولا بقيد الكثرة ، ثم يورد الاستثناء أيضا على هذا المعنى بعينه فلا ينفعه الاستثناء ؛ لأنه رفع عين ما وضعه

( الحالة الرابعة ) أن يقصد بقوله أولا المصدر الموصوف بالوحدة ويقصد بقوله إلا واحدة الطلاق الموصوف بالوحدة فلا ينفعه أيضا استثناؤه ؛ لأنه رفع جملة ما وضعه

( الحالة الخامسة ) أن يريد بلفظ الأول الطلاق الموصوف بالوحدة ويقصد بالاستثناء الموصوف وهو مفهوم الطلاق دون الوحدة فهذا مستثنى لبعض ما نطق به مطابقة غير أنه يلزم من نفي أصل الطلاق نفي صفاته من الوحدة والكثرة فتنتفي الصفة أيضا مع الموصوف فيبطل استثناؤه ويلزمه طلقة لأنه لم يبق شيء بالمطابقة والالتزام

( الحالة السادسة ) أن يستعمل قوله الأول أنت طالق واحدة في الطلاق بوصف الثلاث ؛ لأنه يجوز إطلاق الجنس وإرادة عدد معين منه فإذا قال بعد ذلك إلا واحدة يريد بها بعض ذلك العدد الذي كان يقصده لزمه طلقتان وهما اللتان بقيتا في الأولى وخرجت واحدة من الثلاث بالاستثناء فهذا تقرير هذه المسألة وبها ظهر قوله أنت طالق واحدة إلا واحدة كيف تلزمه اثنتان ، وكذلك إذا قال واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة إن أراد بالاستثناء أحد هذه الثلاث لزمه اثنتان .

وإن أراد استثناء الصفة وهي الوحدة عن طلقة من هذه الطلقات الثلاث المتقدمة فمقتضى ذلك أن يلزمه أربع تطليقات لأنه رفع صفة الوحدة عن طلقة من الثلاث فيقع فيها الكثرة فتصير تلك الطلقة طلقتين كما تقدم تقريره لكن لما لم يكن سبيل إلى لزوم أربع بالإجماع اقتصرنا على ثلاث كما لو قال أنت طالق أربع تطليقات ومن الاستثناء في الصفات قول الشاعر ( :

قاتل ابن البتول إلا عليا

) قال الأدباء معناه قاتل ابن فاطمة البتول أي المنقطعة عن الأزواج إلا عن علي فاستثنى من صفتها ولم يستثنها غير أنه في هذا الكلام لم يستثن جملة الصفات كما تقدم في مسألة الطلاق ، بل من متعلقها فإن الانقطاع الذي هو التبتل يمكن أن يكون عن الأزواج كلها فلذلك استثنى من متعلق التبتل عليا رضي الله عنه ومن التبتل قوله عز وجل { وتبتل إليه تبتيلا } أي انقطع إليه انقطاعا .

المسألة الثانية قوله تعالى { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى } فهذا استثناء نوع [ ص: 168 ] من الصفة وهي المونة الأولى ، وقوله بميتين لفظ يشملهم بصفة الموت ولم يستثنوا من أنفسهم أحدا ، بل بعض أنواع الصفة فصار الاستثناء تارة يقطع في جملة الصفة كمسألة الطلاق وفي بعض أنواعها كالآية وفي بعض متعلقاتها كالشعر المتقدم فتأمل ذلك وعلى هذه القاعدة تقول مررت بالساكن إلا الساكن فتستثني الصفة من الصفة وهو السكون فقط وتترك الموصوف فتتعين له الحركة ، فيكون مرورك بالمتحرك ، وكذلك مررت بالمتحرك إلا المتحرك فيتعين أنك مررت بالساكن كما تقدم التقرير ، وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء .

وهو مجلد كبير واحد وخمسون بابا وأربعمائة مسألة ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه ، وقد بسطته لك هاهنا بهذه المسائل وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه ، ولولاه لم يفهم أصلا ألبتة فنفائس القواعد لنوادر المسائل وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات )

قلت هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر ، وكذلك الفرقان اللذان بعده .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 167 - 172 ] الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات )

وذلك أن البابين وإن استويا في صحة الاستثناء إلا أنهما افترقا في أن الاستثناء من الذوات لا يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل بأن يستغرق المستثنى للمستثنى منه بخلاف الاستثناء من الصفات فإنه يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل في الظاهر وذلك أن الاستثناء من الصفات ثلاثة أقسام ؛ لأنه إما أن يقع في جملة الصفة كأن تقول مررت بالساكن إلا الساكن أو مررت بالمتحرك إلا المتحرك فتستثني الصفة من الصفة وهو السكون فقط في الأول والحركة فقط في الثاني وتترك الموصوف فتتعين له الحركة في الأول ، فيكون مرورك بالمتحرك ويتعين السكون في الثاني ، فيكون مرورك بالساكن وإما أن يقع أي الاستثناء في بعض أنواع الصفة كقوله تعالى { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى } فقوله بميتين لفظ يشملهم بصفة الموت ولم يستثنوا من أنفسهم أحدا ، بل بعض أنواع الصفة .

وإما أن يقع أي الاستثناء في بعض متعلقات الصفة كقول الشاعر :

قاتل ابن البتول إلا عليا

فمعناه كما قال الأدباء قاتل ابن فاطمة البتول أي المنقطعة عن الأزواج إلا عن علي فاستثنى من صفتها ولم يستثنها غير أنه لم يستثن جملة الصفة ولا نوعا من أنواعها ، بل استثنى متعلقا من متعلقاتها فإن التبتل الذي هو الانقطاع قال تعالى { وتبتل إليه تبتيلا } أي انقطع عليها انقطاعا لما كان يمكن أن يكون عن الأزواج كلها استثنى من متعلق التبتل عليا رضي الله عنه ومن القسم الأول ما قاله ابن أبي زيد في النوادر ونقله صاحب الجواهر من أن القائل إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة فإن كان مستفتيا ، وقال نويت ذلك لم يلزمه شيء وفي موضع لو سكت لم يكن طلاقا ؛ لأنه طلاق بغير نية وإن كان عليه بينة فيختلف فيه ؛ لأنه آت بما لا يشبه كما لو قال إن شاء هذا الحجر ويختلف إذا قال أنت طالق أمس إلا واحدة ؛ لأنه ليس مستثنيا للأول وإن قال طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وأعاد الاستثناء على الواحدة يقع عليه اثنان .

وإذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة لزمه طلقتان أيضا إن أعاده على طلقة وثلاث إن أعاده على الواحدة وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند الفقهاء وتقريرها وإيضاحها أن تقول قوله أنت طالق واحدة معناه طلقة واحدة والطلاق مصدر قد وصفه بالوحدة فصار في كلامه حينئذ صفة وموصوف فإذا عقبه بقوله إلا واحدة كان ذلك محتملا ست حالات

( الحالة الأولى ) أن يقصد بقوله واحدة الصفة والموصوف معا ، ثم يقصد رفع الصفة دون الموصوف ، فيكون قد رفع مصدر الطلاق الوحدة فيتعين ضدها وهو الكثرة إذ لا واسطة بينهما والقاعدة العقلية أن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفع أحدهما تعين ثبوت الآخر ألا ترى أنك تقول هذا العدد ليس بزوج فيتعين أن يكون فردا أو ليس [ ص: 204 ] بفرد فيتعين أن يكون زوجا ؛ لأنه لا واسطة بين الزوج والفرد وأقل مراتب الكثرة اثنان فيلزمه طلقتان ؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزائد

( الحالة الثانية ) أن يقصد بقوله واحدة قبل الاستثناء الصفة وحدها ، ثم يستثنيها فاستثناؤه باطل ؛ لأنه رفع جملة ما وضعه أولا

( الحالة الثالثة ) أن يقصد بقوله واحدة نفس الطلاق من حيث هو طلاق ولا يأخذه بقيد الوحدة ولا بقيد الكثرة ، ثم يورد الاستثناء أيضا على هذا المعنى بعينه فلا ينفعه الاستثناء ؛ لأنه رفع عين ما وضعه

( الحالة الرابعة ) أن يقصد بقوله أولا المصدر الموصوف بالوحدة ويقصد بقوله إلا واحدة الطلاق الموصوف بالوحدة فلا ينفعه أيضا استثناؤه ؛ لأنه رفع جملة ما وضعه

( الحالة الخامسة ) أن يريد بلفظ الأول الطلاق الموصوف بالوحدة ويقصد بالاستثناء الموصوف وهو مفهوم الطلاق دون الوحدة فهذا مستثنى لبعض ما نطق به مطابقة غير أنه يلزم من نفي أصل الطلاق نفي صفاته من الوحدة والكثرة فتنتفي الصفة أيضا مع الموصوف فيبطل استثناؤه ويلزمه طلقة ؛ لأنه لم يبق شيء بالمطابقة والالتزام

( الحالة السادسة ) أن يستعمل قوله أنت طالق واحدة في الطلاق بوصف الثلاث ؛ لأنه يجوز إطلاق الجنس وإرادة عدد معين منه فإذا قال بعد ذلك إلا واحدة يريد بها بعض ذلك العدد الذي كان يقصده لزمه طلقتان وهما اللتان بقيتا من الثلاث التي أرادها بقوله الأول بعد إخراج واحدة منها بالاستثناء فظهر بهذا التقرير كيف تلزمه اثنتان بقوله أنت طالق واحدة إلا واحدة ، وكذلك إذا قال واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة إن أراد بالاستثناء إحدى هذه الثلاث لزمه اثنتان وإن أراد استثناء الصفة وهي الوحدة عن طلقة من هذه الطلقات الثلاث المتقدمة فمقتضى ذلك أن يلزمه أربع تطليقات ؛ لأنه رفع صفة الوحدة عن طلقة من الثلاث فيقع فيها الكثرة فتصير تلك الطلقة طلقتين كما تقدم تقريره لكن لما لم يكن سبيل إلى لزوم أربع بالإجماع اقتصرنا على ثلاث كما لو قال أنت طالق أربع تطليقات فتأمل ذلك كذا قال الأصل قال ، وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء وهو مجلد كبير أحد وخمسون بابا وأربعمائة مسألة ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه ، وقد بسطته لك ها هنا بهذه المسائل وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه ، ولولاه لم يفهم أصلا ألبتة فنفائس القواعد لنوادر المسائل وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل ا هـ بلفظه قالابن الشاط هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ا هـ بلفظه .

ولعل وجهه أن مسألة الطلاق التي بنى هذا الفرق عليها نظير ما نقله القرافي عن المدخل لابن طلحة المالكي فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه لا يقع عليه طلاق كما في محلى جمع الجوامع في اعتبار الاستثناء المستغرق ، وقد قال شيخ الإسلام ونقل هذا القول القرافي وأنكره فقال الأقرب أن هذا الخلاف باطل ؛ لأنه مسبوق بالإجماع كما في العطار على محلى جمع الجوامع يعني الإجماع الذي حكاه الإمام الرازي والآمدي وغير واحد كالقرافي على أنه لا أثر في الحكم للاستثناء المستغرق مطلقا كان في الصفات أو في الذوات فلو قال له عشرة إلا عشرة لزمه عشرة ، ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع عليه الطلاق الثلاث إلا أن [ ص: 205 ] يعقب باستثناء آخر غير مستغرق نحو له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة ففي جوازه وأن له أثرا في الحكم إما اعتبار الاستثناء الثاني من الأول فيلزمه أربعة وإما اعتبار الثاني دون الأول فيلزمه ستة وعدم جوازه وأنه لا أثر له فيلزمه عشرة لبطلان الأول والثاني خلاف كما في محلى جمع الجوامع نعم صرحالسيوطي في الأشباه والنظائر بأن له في الوصية أثرا في الحكم وهو الرجوع عنها فلو قال أوصيت له بعشرة إلا عشرة كان رجوعا عن الوصية كما في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث