الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( المسألة السابعة ) قال مالك في التهذيب : إذا قال : إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله لا ينفعه الاستثناء قال ابن يونس : قال عبد الملك : إن أعاده على الفعل دون الطلاق نفعه وأنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه الاستثناء وأنت طالق إن فعلت كذا إلا أن يبدو لي فذلك له إن أراد الفعل خاصة وفي الجلاب إن كلمت زيدا فعلي المشي إلى بيت الله إن شاء الله لا ينفعه الاستثناء إن أعاده على الحج وإن أعاده على كلام زيد نفعه قلت : اعلم أن هذه المواضع لا يدرك حقيقتها إلا الفحول من العلماء أو من يفتح الله عليه من نفس فضله وسعة رحمته ما شاء وما الفرق بين إعادة الإرادة القديمة والحادثة على الفعل أو غيره وها أنا أكشف لك عن السر في هذه المسائل ببيان قاعدة وهي أن الله تعالى شرع بعض أسباب الأحكام في أصل الشريعة ولم يكله إلى مكلف كالزوال ورؤية الهلال والإتلاف للضمان ومنها ما وكله لخيرة خلقه فإن شاءوا جعلوه سببا وإلا فلا يكون سببا وهي التعليقات كلها فدخول الدار ليس سببا لطلاق امرأة أحد ولا لعتق عبده في أصل الشرع إلا أن يريد المكلف ذلك فيجعله سببا بالتعليق عليه وكل ما وكل للمكلف سببيته لا يكون سببا إلا بجعله وجزمه بذلك الجعل .

إذا تقررت هذه القاعدة فنقول : قول [ ص: 80 ] عبد الملك إن أعاده على الفعل نفعه معناه إن أراد أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سببا للطلاق بل فوضت وجعلت سببيته إلى مشيئة الله تعالى إن شاء جعله سببا وإلا فلا وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سببا فلا يلزم به شيء إجماعا ولا يكون هذا خلافا لمالك وابن القاسم مع أن صاحب المقدمات أبا الوليد بن رشد حكاه خلافا وقال : الحق عدم اللزوم قياسا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل وهذا يشعر بأن ابن القاسم يوافق في اليمين بالله تعالى ويخالف في الطلاق فيكون هذا إشكالا آخر أما إذا حمل قول عبد الملك على ما ذكرته فلا إشكال ويصير المدرك مجمعا عليه وإلا فلا تعقل المسألة ألبتة ولا يصير لها حقيقة .

[ ص: 81 ] وقوله أنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه لأن الطلاق جعله الله تعالى سببا لقطع العصمة في أصل الشرع فقد زالت العصمة بتحققه كره المكلف أو أحب فمشيئته لغو وإذا علق الطلاق على فعل وأعاد قوله إلا أن يبدو لي عليه خاصة ومعناه أني لم أصمم على جعل الفعل سببا بل الأمر موقوف على إرادة تحدث في المستقبل فذلك ينفعه لما تقدم أن كل سبب موكول إلى إرادته لا يكون إلا بتصميمه على مشيئته وإرادته لذلك وكذلك قول صاحب الجلاب إن أعاد الاستثناء على كلام زيد نفعه وعلى الحج لم ينفعه معناه أني لم أجزم بجعل كلام زيد سببا للزوم الحج بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا فلا يلزم الحج بكلامه فإذا أعاده على الحج فقد جزم بسببية كلام زيد فترتب عليه مسببه والاستثناء لا يكون رافعا كما تقدم فهذا سر هذه المسائل وهو من نفائس العلم فافهمه .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال : ( المسألة السابعة قال : مالك في التهذيب : إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله لا ينفعه الاستثناء قال ابن يونس قال : عبد الملك إن أعاده على الفعل دون الطلاق نفعه إلى آخر نقل الأقوال ) قلت : ذلك نقل لا كلام فيه .

قال : ( اعلم أن هذه المواضع لا يدرك حقيقتها إلا الفحول من العلماء أو من يفتح الله عليه من نفس فضله وسعة رحمته ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح والله أعلم .

قال : ( إذا تقررت هذه القاعدة فنقول : قول [ ص: 80 ] عبد الملك إن أعاده على الفعل نفعه معناه إن أراد أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سببا إلى قوله فلا يلزم به شيء إجماعا ) .

قلت : قول القائل إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله لا يخلو من أن يريد إعادة الاستثناء إلى الطلاق المعلق على ذلك أو إلى الفعل فإن أعاده على الطلاق فقد سبق في مسألة : أنت طالق إن شاء الله أن الصحيح لزوم الطلاق وأن الاستثناء لا ينفعه وهذا المعلق كذلك وإن أعاده إلى الفعل المعلق عليه الطلاق فإن أراد معناه الظاهر وهو إن شاء الله تعالى أن أفعل ذلك الفعل فإذا فعله فقد شاء الله تعالى فعله فيلزم الطلاق كما قال مالك ومن وافقه وإن أراد ما قاله شهاب الدين وتأوله على عبد الملك وزعم أنه لا يلزمه شيء إجماعا فليس بالظاهر بل هو معنى متكلف ومع ذلك فلقائل أن يقول : إنه استثناء لا يفيد عدم لزوم الطلاق بل يفيد لزومه من جهة أن معنى الكلام أن ذلك تفويض سببية هذا الكلام إلى مشيئة الله تعالى وقد جعله الله تعالى سببا بتسويغه للمتكلم أن يجعله سببا وقد جعله كذلك بالتعليق عليه كما سوغ له وما أرى عبد الملك راعى هذا المعنى المتكلف بل رأى أن استثناء مشيئة الله تعالى يكون رافعا لحكم التعليق كرفعه لحكم اليمين والله أعلم .

قال : ( ولا يكون هذا خلافا لمالك وابن القاسم مع أن صاحب المقدمات حكاه خلافا ) قلت : صاحب المقدمات أمس بتحقيق هذا العلم ومعرفة الخلاف فيه من الوفاق .

قال ( وقال : الحق عدم اللزوم قياسا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل ) قلت : بل الحق اللزوم كما سبق والقياس الذي ذكره ليس بصحيح للفرق بينهما وهو أن القائل إذا قال : والله لأفعلن إن شاء الله ورد الاستثناء إلى الفعل فإذا فعل ذلك الفعل فقد شاء الله تعالى وبر في يمينه وإن لم يفعله فهو بار أيضا لأنه علق المحلوف عليه على المشيئة للفعل ولم يقع الفعل فلم تتعلق به المشيئة والقائل إذا قال : إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله ورد الاستثناء إلى الفعل فإذا فعل ذلك الفعل فقد شاء الله فإنه لا يقع شيء إلا بمشيئته ويلزم مقتضى التعليق لوقوع المعلق عليه والله أعلم .

قال : ( وهذا يشعر بأن ابن القاسم يوافق في اليمين بالله تعالى ويخالف في الطلاق فيكون هذا إشكالا آخر ) قلت : لا يكون ذلك إشكالا على ما تقرر بوجه .

قال : ( أما إذا حمل قول عبد الملك على ما ذكرته فلا إشكال ويصير المدرك مجمعا عليه وإلا فلا تعقل المسألة ألبتة ولا يصير لها حقيقة ) قلت : [ ص: 81 ] قد سبق أن ما ذكره مقصد متكلف لم يقصده عبد الملك ولا يفيد على تقدير قصده ما ذكر بل نقيضه فلا يصير المدرك مجمعا عليه وتعقل المسألة وتصير لها حقيقة والله أعلم .

قال : ( وقوله أنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه إلى آخر المسألة ) قلت : ما قاله في ذلك صحيح غير قوله بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا فلا يلزمه الحج بكلامه فإنه يلزمه إذا كان الاستثناء بمشيئة الله تعالى بخلاف إذا كان بمشيئته فإنه كان الاستثناء بمشيئة القائل في قوله إن كنت كلمت زيدا فعلي المشي إلى الحج فإن قال : إن شاء الله فإنه يلزمه كما سبق وإن قال : إلا أن يبدو لي فإنه لا يلزمه لأنه يتعين هنا حمل كلامه على رد الاستثناء إلى جعل ذلك الفعل سببا



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة السابعة ) اختلف إذا علق المشيئة على معلق عليه ووجد نحو إن دخلت الدار إن شاء الله فأنت طالق أو [ ص: 84 ] أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله وحصل الدخول فقال مالك وابن القاسم : لا ينفعه وهو المشهور وقال عبد الملك وغير واحد : ينفعه وروي أيضا عن مالك وفي اتفاق القولين في المثالين مع دعواه في الثاني رد الاستثناء للفعل لا الطلاق بأن يوفق بينهما بما حاصله أنه لو جزم بجعل الفعل المعلق عليه سببا للطلاق لم ينفعه الاستثناء كما قال ابن القاسم ولو لم يجزم بجعله سببا نفعه كما قال غيره إذ الفعل من أسباب الأحكام التي لم يكلها لخيرتهم كالزوال ورؤية الهلال والطلاق أو اختلافهما في المثالين أو اختلافهما إن احتمل كالمثال الثاني وقامت عليه بنية أقوال الأول للقرافي وتبعه المقري في قواعده قائلا وهو تفسير عند المحققين وحكاه ابن عبد السلام عن بعض شيوخ المشارقة وقال : لا يلتفت إليه ا هـ .

وقال ابن عرفة : إنه ساقط لمخالفته فهم الأشياخ في حملهم المشيئة على الخلاف والثاني للأكثر مع المقدمات لابن رشد والثالث للبيان لابن رشد وعلى الثاني ففي كون المراد رجوعها للمعلق عليه من حيث ذاته أو من حيث التعليق والربط طريقتان : الطريقة الأولى لابن رشد في المقدمات والناصر وابن الشاط وعليها ففي كون إن شاء الله شرطا على بابه لتقييد المعلق عليه نفسه أو بمعنى الاستثناء رافع للمعلق عليه نفسه كما في اليمين بالله قولان الثاني لابن رشد في المقدمات فقد قال فيها الحق عدم اللزوم قياسا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل فيكون قول ابن القاسم مبنيا على مذهب القدرية والمقابل مبنيا على مذهب أهل السنة لأن قول القائل أنت طالق إن لم أدخل الدار إن شاء الله إذا صرف المشيئة إلى المعلق عليه هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله تعالى فلا شيء علي وكذلك قوله أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله هو إن شاء الله دخولي فلا شيء علي وقد علم في السنة أن كل واقع في الوجود بمشيئة الله تعالى فامتناعه إذا من الدخول في الوجه الأول ودخوله في الثاني بمشيئة الله تعالى فلا يلزمه طلاق لأن ذلك هو الذي التزمه وأما القول بلزوم الطلاق فمقتضاه أن الدخول وعدمه وقع .

[ ص: 85 ] على خلاف المشيئة وهو محال عند أهل السنة ا هـ واختار هذا القول الرهوني كما ستقف على كلامه والقول الأول أعني كون إن شاء الله شرطا على بابه لتقييد المعلق عليه نفسه للناصر وابن الشاط قال الناصر : إنما يتضح اعتراض ابن رشد على ابن القاسم في إلا أن يشاء الله إذ معناه أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يشاء الله أن أدخلها فلا طلاق فإذا طلق عليه بالدخول كان مقتضيا لوقوعه بدون المشيئة وكذا أنت طالق لأدخلن الدار إلا أن يشاء الله معناه إلا أن يشاء الله عدم الدخول فإذا طلق عليه بعدم الدخول كان مقتضيا أنه بدون المشيئة وأما في إن فالظاهر قول ابن القاسم لأن أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله تعالى معناه إن دخلت الدار دخولا مقرونا بالمشيئة فإذا طلقت عليه بالدخول كان ذلك لأن الدخول المقرون بالمشيئة قد وقع وإن لم تطلق كان لانتفاء ذلك ومعلوم أن الدخول وقع فالمنفي إنما هو المشيئة وهذا بعينه مذهب القدرية أي القائلين بأن العبد خالق لأفعاله ا هـ .

وقال ابن الشاط الحق اللزوم في قوله إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله لأنه إن عاد الاستثناء إلى الطلاق المعلق على ذلك فقد سبق في مسألة أنت طالق إن شاء الله أن الصحيح لزوم الطلاق وأن الاستثناء لا ينفعه وهذا المعلق كذلك .

وإن أعاده إلى الفعل المعلق عليه الطلاق فمعناه الظاهر إن شاء الله تعالى أن أفعل ذلك الفعل فإذا فعله فقد شاء الله تعالى فعليه فيلزم الطلاق كما قال مالك ومن وافقه والقياس الذي ذكره ابن رشد ليس بصحيح للفرق بينهما وهو أن القائل إذا قال : والله لأفعلن إن شاء الله ورد الاستثناء إلى الفعل فإذا فعل ذلك الفعل فقد شاء الله تعالى وبر في يمينه وإن لم يفعله فهو بار أيضا لأنه علق المحلوف عليه على المشيئة للفعل ولم يقع الفعل فلن تتعلق به المشيئة والقائل إذا قال إن فعلت كذا فعلي الطلاق وإن شاء الله تعالى ورد الاستثناء إلى الفعل فإذا فعل ذلك الفعل فقد شاء الله فإنه لا يقع شيء إلا بمشيئته ويلزم مقتضى التعليق لوقوع المعلق عليه ا هـ .

وخلاصة الفرق أن إن شاء الله في اليمين استثناء رافع له وقع المحلوف عليه [ ص: 86 ] أم لا وفي الطلاق شرط مقيد للمحلوف عليه فإذا وقع المحلوف عليه فقد شاء الله وبوقوعه لزم الطلاق المعلق الطريقة الثانية أعني رجوع المشيئة للمعلق عليه من حيث الربط والتعليق لا من حيث ذاته لخاتمة المحققين العلامة ابن المبارك رحمه الله تعالى فقد قال ما توضيحه أنه قد علم في علم الميزان أن الإيجاب والسلب والصدق والكذب والتقييد والإطلاق إذا وقعت في القضية الشرطية انصرفت إلى الربط واللزوم الذي فيها ولا تنصرف إلى أطرافها وقولنا أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله قضية شرطية .

وقولنا في تلك القضية إن شاء الله قيد من القيود التي يجب ردها إلى الربط ولا يصح رده إلى الدخول المعلق عليه لأنه طرف قضية شرطية والطرف لا يرجع إليه تقييد ولا غيره من الأمور السابقة فقولهم أنه راجع إلى المعلق عليه أي من حيث التعليق فهو راجع إلى التعليق في الحقيقة والتعليق الذي بين الشرط والجزاء أمر اعتباري لا يقبل الوجود في الخارج ولا العدم فيه وما لا يقبلهما كالنسب والاعتبارات ومن الربط الذي بين الشرط والجواب فمشيئة الله تعالى فيه لا تعلم ولا يمكن اطلاعنا عليها إذ الاطلاع عليها إنما هو بوجود متعلقها في الخارج ومتعلقها هنا لا يقبل الوجود في الخارج ولا العدم فيه أصلا فبعدم قبوله للوجود لم يعلم أنه تعالى أراد وجوده وبعدم قبوله للعدم لم يعلم أنه تعالى أراد عدمه وإذا وقع الفعل المعلق عليه كالدخول وقد قيد جعله سببا في الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته وهو الله تعالى كما إذا قيد ذلك بمشيئة الجن أو الملك لا فرق بين كون المشيئة بلفظ إن شاء الله أو إلا أن يشاء وقع الخلل في العصمة بحصول الشك فيها وأصل ابن القاسم أنه إذا وقع الشك في العصمة اعتبر ووقع الطلاق له وأصل عبد الملك أن الشك المذكور يلغى وتستصحب العصمة فابن القاسم يلزم الطلاق إذا وقع الدخول وعبد الملك لا يلزمه بناء من كل واحد على أصله فهذا توجيه المذهبين في مشيئة الله تعالى وفي مشيئة الجن والملك وأما إذا وقع الفعل المعلق عليه كالدخول وقد قيد [ ص: 87 ] بمشيئة من تعلم مشيئته كزيد فإنه يسأل صاحب المشيئة هل شاء أن يجعله سببا في الطلاق فيقع أم لا فلا يقع قال الأمير : ولا شيء إن لم يعلم . ومنه الميت ا هـ قال حجازي كان بعد اليمين أو قبله ولو عالما بموته على أقوى القولين لأن شأنه الاطلاع عليه بخلاف مشيئة الله والملائكة ا هـ .

هذا هو الحق الذي لا شك فيه فظهر أن على ابن رشد في كلامه السابق دركا من وجهين : أحدهما ظنه أن الشرط راجع للدخول وليس كذلك بل هو راجع للربط الثاني ظنه أن إن شاء ليس شرطا على بابه بل بمعنى الاستثناء أعني إلا أن يشاء الله في الرفع لحكم التعليق كرفعه لحكم اليمين وليس كذلك لأنه مع ما فيه من تكلف إخراج إن عن بابه بلا داع هو مخالف للقاعدتين السابقتين في المسألة السادسة فقول الرهوني والحق ما قاله ابن رشد وما ردوا به عليه من الأمثلة كله ساقط إذ الشرط فيها كلها على بابه قطعا أي جيء به التقييد والاحتراز عن صورة المفهوم وأما الشرط في مسألتنا فلا يمكن أن يكون على بابه على مذهب أهل السنة وإنما هو في المعنى كالاستثناء كما في اليمين بالله الذي هو الأصل وقد قال اللخمي عن ابن المواز : الاستثناء كل ما كان فيه إن مثل إن شاء الله وكل ما كان فيه إلا ا هـ .

وهو نص في أن إن شاء الله كالاستثناء الحقيقي ا هـ هو غير صحيح إذ كيف يكون هو الحق مع خروج اللفظ عليه عن مدلوله ومع ما يلزم عليه من جري ابن القاسم على خلاف مذهب أهل السنة وحاش من هو أدنى منه بمراتب من ذلك وفي قوله وما ردوا به عليه إلخ نظر من وجهين الأول أن كونه على بابه ممكن على مذهب أهل السنة فأنه جيء به للتقييد والاحتراز عن صورة المفهوم بدليل أن صاحب المشيئة لو كان ممن تعلم مشيئته لسئل هل شاء أن يجعل الدخول مثلا سببا للطلاق فيقع أم لا فلا يقع كما مر .

الثاني إن جعل إن شاء في اليمين بالله بمعنى الاستثناء حمل له على غير مدلوله لعارض شرعي فلا يقاس عليه غيره كما أشار له غ في تكميله في رده اعتراض ابن رشد المذكور وكلام ابن المواز يحتمل تخصيصه باليمين بالله بل هو الظاهر للقاعدتين السابقتين فلا دليل [ ص: 88 ] فيه وعلى الناصر في كلامه السابق دركا من وجهين أيضا وكذا ابن الشاط الأول ظنه أن الشرط على بابه راجع للدخول للربط والأمر بالعكس الثاني ظنه أن إلا أن يشاء الله في مسألتنا ليس للتقييد والاحتراز عن صورة المفهوم بل لرفع الحكم بالتعليق كما في اليمين وليس كذلك للقاعدتين السابقتين وبالجملة فمذهبا ابن قاسم وعبد الملك في كون إن شاء الله في المثالين المارين لا تنفعه أو تنفعه إما أن يحملا على الوفاق مطلقا ولو احتمل المثال رجوعه للمعلق عليه وادعاه مع البنية وهو ما للقرافي ومن تبعه أو على الاختلاف فيما احتمل ذلك وادعاه وقامت عليه بينته وهو ما في البيان لابن رشد أو على الاختلاف مطلقا وهو قول الأكثر مع المقدمات لابن رشد وهو المعتبر وعليه فهل إن شاء الله بمعنى الاستثناء راجع للمعلق عليه نفسه وهو ما لابن رشد واختاره الرهوني أو هو شرط على بابه راجع للمعلق عليه أيضا وهو ما للناصر وابن الشاط ولا خلاف في كون إلا أن يشاء الله استثناء رافعا لحكم التعليق كما في اليمين أو هو شرط على بابه قيد للتعليق كإلا أن يشاء الله وهو ما لابن المبارك وهو الحق هذا خلاصة ما في حاشية كنون على حواشي عبق بتوضيح وزيادة وهو غاية تحقيق المقام فاحفظه قلت : ولا فرق على قول ابن المبارك بين صرف المشيئة بإن شاء الله أو إلا أن يشاء الله للدخول أو للطلاق أو لم تكن له نية بصرفها بشيء ووجه الدخول في كل ضرورة أنها قيد يجب رده للربط لا إلى طرف من طرفي القضية الشرطية فينجز عليه عند ابن القاسم للشك ولا شيء عليه عند عبد الملك لإلغاء الشك .

وإذا قال : أنت طالق إلا أن يبدو لي أو إلا أن أشاء أو إلا أن أرى خيرا منه أو إلا أن يغير الله ما في خاطري ونحو ذلك لا ينفعه وإذا قال : أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي ونحوه أو إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي فأنت طالق نفعه لأن معناه أني لم أصمم على جعل دخول الدار سببا لطلاقك بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل فإن شئت جعلت دخول الدار سببا لوقوعه وإن شئت لم أجعله سببا فلذا نفعه [ ص: 89 ] في الدخول دون الطلاق لما مر في قاعدة الشرط اللغوي أنه سبب وكل إلى إرادته وكل سبب كذلك لا يكون سببا إلا بتصميمه على جعله سببا بخلاف السبب الشرعي الذي لا اختيار له فيه كالطلاق فافهم وقد شبه العلامة الأمير في مجموعه العتق والنذر بالطلاق في جميع ما يتعلق به فقال : ونجز أي الطلاق إن أتى بمشيئة الله ولو لمعلق عليه كمشيئته إلا أن يعلق عليها أو يستثني بها من المعلق عليه فقط كإلا أن يبدو لي ومشيئة الغير مطلقا أي علق عليها واستثنى بها أو رجعها للمعلق أو المعلق عليه كالعتق والنذر ا هـ قال حجازي أي : ينجز إن أتى بمشيئة الله ولو لمعلق عليه كمشيئته إلخ فهو تشبيه في جميع ما مر ا هـ .

وقول صاحب الجلاب في قوله إن كلمت زيدا فعلى المشي إلى بيت الله إن شاء الله إن أعاد الاستثناء على كلام زيد نفعه وعلى الحج لم ينفعه ا هـ .

وإن قال القرافي : معناه أني لم أجزم بجعل كلام زيد سببا للزوم الحج بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا فلا يلزم الحج بكلامه فإذا أعاده على الحج فقد جزم بسببية كلام زيد فترتب عليه مسببه والاستثناء لا يكون رافعا كما تقدم ا هـ إلا أن ابن الشاط قال : إن قوله بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا فلا يلزم الحج بكلامه غير صحيح بل الصحيح أن قوله إن كنت كلمت زيدا فعلي المشي إلى الحج إن قال عقبه : إن شاء الله فإنه يلزمه كما سبق وإن قال عقبه : إلا أن يبدو لي فإنه لا يلزمه لأنه يتعين هنا حمل كلامه على رد الاستثناء إلى جعل ذلك الفعل سببا ا هـ .

يعني أن كلام صاحب الجلاب الذي وجهه القرافي بما ذكر كما هو مذهب عبد الملك خلاف الصحيح لأن مقتضى عدم لزوم الحج عند عود المشيئة لكلام زيد وقد وقع أن وقوعه على خلاف المشيئة وهو بعينه مذهب القدرية والصحيح اللزوم مطلقا ولو عادت المشيئة لكلام زيد كما هو مذهب ابن القاسم إذ بوقوع كلام زيد صار مقرونا بالمشيئة إذ قد علم في السنة أن كل واقع في الوجود بمشيئة الله تعالى وبتحقق وقوع الكلام المقرون بالمشيئة تحقق وقوع المعلق عليه لزوم الحج فيلزم فكلام ابن الشاط هذا [ ص: 90 ]

وكذا كلام الأمير مبني على أن إن شاء الله شرط على بابه لتقييد المعلق عليه نفسه كما هو مذهبه ومذهب الناصر قلت : والظاهر أن مذهب ابن المبارك كما في الطلاق كذلك يأتي في النذر والعتق لأن جعل إن شاء الله شرطا على بابه لتقييد التعليق يقتضي وقوع الشك في العتق والنذر كما علمت وفي اعتبار الشك فيهما كالطلاق عن ابن القاسم وهو الصحيح فلا يلغى بل يقتضى لزومهما أما العتق فلتشوف الشارع للحرية ولم ينظر والاحتياط في الفروج كما في شرح الأمير على مجموعه وعتق وأما النذر فكذلك على الظاهر لكونه قربة أوجبها على نفسه أو إلغائه فيها كالطلاق فلا يحكم بواحد فيها لمجرد احتمال خلاف نعم جريان قول عبد الملك بإلغاء الشك وإن ظهر في غير الطلاق لا يظهر في الطلاق لأن الشك فيه على خمسة أوجه كما في البيان لابن رشد نظمها بعضهم بقوله :

ذو الشك في الحنث بلا مستند لا أمر لا جبر اتفاقا قيد     لا جبر بل يؤمر من سيستند
بالاتفاق قال من يعتمد     من شك في الحنث وفي أن حلفا
لا جبر بل في أمر هذا اختلفا     ثم الذي في جبره يختلف
ذو المشي والعدد والحيض اعرفوا     ذو الشك في الزوجة فعل أمس
بالاتفاق أجبره دون لبس

وصورة الوجه الأول أن يحلف الرجل على الرجل أن لا يفعل فعلا ثم يقول لعله قد فعله من غير سبب يوجب عليه الشك في ذلك ، وصورة الوجه الثاني أن يحلف أن لا يفعل ثم يشك هل حنث أم لا لسبب أدخل عليه الشك ، وصورة الوجه الثالث أن يشك هل طلق أم لا وهل حلف وحنث أو لم يحلف لسبب أدخل عليه الشك فقال ابن القاسم : يؤمر بالطلاق .

وقال أصبغ : لا يؤمر به ، وصورة الوجه الرابع أن يطلق فلا يدري إن كان طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو يحلف ويحنث ولا يدري إن كان حلف بطلاق أو بمشي أو يقول : امرأتي طالق إن كانت فلانة حائضا فتقول : لست بحائض أو إن كان [ ص: 91 ] فلان يبغضني فيقول : أنا أحبك ويزعم أنه قد صدقه ولا يدري حقيقة ذلك والخلاف في المسألة الأولى من قول ابن القاسم ومن قول ابن الماجشون وفي الثانية بين ابن القاسم وأصبغ ، وصورة الوجه الخامس أن يقول : امرأتي طالق إن كان أمس كذا وكذا لشيء يمكن أن يكون وأن لا يكون ولا طريق إلى استعلامه وأن يشك في أي امرأة من امرأتيه طلق فإنه يجبر على فراقهما جميعا ولا يجوز له أن يقيم على واحدة منها والشك في مسألتنا من قبيل هذا الوجه الخامس كما لا يخفى فانظر كيف يتأتى فيه جريان أصل عبد الملك من إلغاء الشك واستصحاب العصمة مع حكاية ابن رشد في البيان الاتفاق فيه على الجبر على الطلاق فتأمل ذلك بإنصاف وحرر والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث