الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين

( الفرق الرابع بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين ) أن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل ولو تتعلق بالماضي تقول إن دخلت الدار فأنت طالق فلا تريد دخولا تقدم بل مستقبلا ولا طلاقا تقدم بل مستقبلا وإن وقع خلاف ذلك أول وتقول في لو : لو جئتني أمس أكرمتك اليوم ولو جئتني أمس أكرمتك أمس فالمعلق والمعلق عليه ماضيان وذلك متعذر في إن بل إذا وقع في شرطها أو جوابها فعل ماض كان مجازا مؤولا بالمستقبل نحو إن جاء زيد أكرمته فهذان الفعلان الماضيان مؤولان بمستقبل تقديره إن يجئ زيد أكرمه ثم أطرز الفرق بأربع عشرة مسألة غريبة جليلة .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال : شهاب الدين ( الفرق الرابع بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين أن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل ولو تتعلق بالماضي إلى قوله ، ثم أطرز الفرق بأربع عشرة مسألة عربية جليلة ) .

قلت : قوله إن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل ليس كذلك بل تتعلق بالماضي ولكن الأكثر فيها تعلقها بالمستقبل وما اختاره يلزم منه دعوى المجاز في استعمالها في الماضي والمجاز على خلاف الأصل فإن قيل : إذا كان تعلقها بالمستقبل هو الأكثر في الاستعمال فاستعمالها في التعلق بالماضي .

وإن كان حقيقة لغوية فهو مجاز عرفي فالجواب أن الأمر فيها لم يبلغ إلى هذا الحد من أن استعمالها في التعلق بالمستقبل هو السابق إلى فهم السامع فيكون استعمالها في المستقبل حقيقة عرفية وفي الماضي مجازا عرفيا فإن استعمال اللفظ وإن كثر في بعض مدلولاته وقل في بعضها لا يلزم أن يكون حقيقة عرفية فيما كثر فيه ومجازا عرفيا فيما قل فيه حتى ينتهي إلى أن يكون هو السابق إلى الفهم ولفظة إن لم يبلغ الأمر فيها إلى هذا الحد والله أعلم وقوله إن لو تتعلق بالماضي صحيح .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الرابع ) بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين الأكثر في أن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل وقد تتعلق بالماضي لفظا ومعنى قياسا مطردا .

[ ص: 96 ] مع كان نحو { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } إذ المعنى والله أعلم وإن كنتم في ريب فيما مضى واستمر ذلك .

[ ص: 97 ] الريب لوقت الخطاب فأتوا بسورة أي فأنتم مطالبون بما يزيله وهو المعارضة المفيدة للجزم وبعد الواو في مقام التأكيد في نحو زيد وإن كثر ماله بخيل حيث اعتبر كون الواو للعطف على محذوف أي إن لم يكثر ماله وإن كثر ماله وكون إن شرطية ولو لم يقدر لها جواب إذ قولهم إن الشرطية لها شرط وجزاء غالبي لا كلي وقليلا في غير ذلك كقول أبي العلاء المعري :

فيا وطني إن فاتني بك سابق من الدهر فلينعم لساكنك البال

أي إن كان زمن سابق فوت علي الإقامة والسكنى في وطني ولم يتيسر لي الإقامة فيه وتولاه غيري فلا لوم علي لأني تركته من غير عيب فيه وحينئذ فلتطب نفس ذلك الساكن ولينعم باله والغرض من ذلك إظهار التحسر والتحزن على مفارقة الوطن والشاهد في قوله إن فاتني فإنه مستعمل في الماضي لفظا ومعنى وأما لو فتتعلق بالماضي قال السعد : ومذهب المبرد أنها تستعمل في المستقبل استعمال إن وهو مع قلته ثابت ا هـ .

قال الدسوقي نحو قوله :

ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا     ومن دون رمسينا من الأرض سبسب
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة     لصوت صدى ليلى يهش ويطرب

ولو شرطية مع الماضي ولها ثلاث استعمالات : أحدها أن تكون للترتيب [ ص: 98 ] الخارجي بمعنى أنها تستعمل للدلالة على أن علة انتفاء الجزاء في الخارج وهي انتفاء مضمون الشرط من غير التفات إلى أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي فمعنى لو شاء الله لهداكم أن انتفاء الهداية إنما هو سبب انتفاء المشيئة لأن انتفاء المشيئة علة في انتفاء الهداية في الخارج وهذا هو الاستعمال الغالب فلذا قال سيبويه لو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره أي يدل على أن الجواب كان يقع فيما مضى لو وقع الشرط وقال غيره ومشى عليه المعربون حرف امتناع لامتناع أي امتناع الجواب لامتناع الشرط فافهم .

والثاني كونها للاستدلال على انتفاء الملزوم الذي هو الشرط بانتفاء اللازم الذي هو الجزاء من غير التفات إلى أن على الجزاء في الخارج ما هي كما في قوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } فإن القصد به تعليم الخلق الاستدلال على الوحدانية بأن يستدلوا بالتصديق بانتفاء الفساد على العلم بانتفاء التعدد وليس القصد به بيان أن علة انتفاء الفساد في الخارج انتفاء التعدد لأنه وإن كان ظاهرا نظرا للأصل إلا أنه نظرا لمقام الاستدلال إلا ظهر القصد الأول أي الاستعمال على وجه الاستدلال على انتفاء التعدد بانتفاء الفساد .

والثالث كونها للدلالة على استمرار شيء بربطه إما بأبعد النقيضين كقوله عليه الصلاة والسلام أو قول عمر على ما قيل { نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه } فالخوف وعدمه نقيضان وعدمه أبعد لعدم العصيان منه فعلق عدم العصيان على الأبعد إشارة إلى أن عدم العصيان من صهيب مستمر وأن العصيان لا يقع منه أصلا وأما بالمساوي كقوله صلى الله عليه وسلم في { درة بضم المهملة بنت أم سلمة أي هند لما بلغه تحدث النساء أنه يريد أن ينكحها أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاع } رواه الشيخان حيث رتب عدم حلها على عدم كونها ربيبة المبين بكونها ابنة أخي الرضاع المناسب هو له شرعا فيترتب أيضا في قصد المرتب على كونها ربيبة المفاد بلو المناسب هو له شرعا كمناسبته للأول سواء لمساواة حرمة المصاهرة لحرمة الرضاع والمعنى أنها لا تحل لي أصلا لأن بها وصفين لو انفرد كل منهما حرمت له كونها ربيبة وكونها ابنة أخي من الرضاع وأما بالأقرب كقولك فيمن عرض عليك نكاحها لو انتفت أخوة [ ص: 99 ] الرضاع لما حلت للنسب حيث رتبت عدم حلها على عدم أخوتها من الرضاع المبين بأخوتها من النسب المناسب هو لها شرعا فيترتب أيضا في قصدك على أخوتها من الرضاع المفاد بلو المناسب هو لها شرعا لكن دون مناسبته للأول لأن حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب والمعنى لا تحل لي أصلا لأن بها وصفين لو انفرد كل منهما حرمت له أخوتها من النسب وأخوتها من الرضاع .

وقد أشار العلامة السبكي لهذه الاستعمالات الثلاثة بقوله :

مدلول لو ربط وجود ثان     بأول في سابق الأزمان
مع انتفاء ذلك المقدم     حقا بلا ريب ولا توهم
أما الجواب إن يكن مناسبا     وليس غير شرطه مصاحبا
فاحكم له بالنفي أيضا واعلم     بأن كلا داخل في العدم
أو لم يكن مناسبا فواجب     من باب أولى ذاك حكم لازب
وفي مناسب له إذ يفقد     مناسب سواه قد لا يوجد
هذا جواب لو بتقسيم حصل     ممتنع وواجب ومحتمل
ومعظم المقصود فيما يجب     إثباته في كل حال يطلب
مثاله نعم الذي لو لم يخف     لما عصى إلهه ولا اقترف
ومعظم المقصود في الممتنع     بيان نفي شرطه الذي ادعى
كلو يكون فيهما شريك     لامتنعا فالواحد المليك
أو أن ذاك النفي حقا أثرا     في عدم الذي يلي بلا مرا
كلو أتيتني لكنت تكرم     كرامتي لمن قلاني تعدم

وقد تخرج عن الشرطية فتكون وصلة للربط مع واو الحال في الجملة الحالية في نحو زيد ولو كثر ماله بخيل وتكون للتمني والمصدرية في نحو ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين فاستعمالاته ا ستة ا هـ .

بتوضيح من مختصر السعد على التلخيص وفي حاشية الشربيني على حواشي محلى جمع الجوامع نقلا عن عبد الحكيم عن القاضي البيضاوي أن ما ذكر هو المشهور وهو يستلزم القول بالاشتراك بناء على أنه لم يبلغ الأمر في لفظتي إن ولو إلى حد أن يكون ما كثر فيه هو السابق منهما إلى الفهم حتى يلزم أن يكون كل منهما حقيقة عرفية فيما كثر فيه ومجازا عرفيا فيما قل فيه بل كل منهما حقيقة لغوية وعرفية فيما كثر أو قل فيه أو القول بالحقيقة أو المجاز بناء على أنه بلغ الأمر في لفظيهما إلى الحد المذكور ولما كان الأصل ينفي كلا من الاشتراك والحقيقة والمجاز عدل المصنف يعني القاضي البيضاوي عن المشهور .

وقال : لو من [ ص: 100 ] حروف الشرط وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني أي إن سائر حروف الشرط كما أنها موضوعة لمجرد تعليق من غير دلالة على انتفاء وثبوت فكذلك كلمة لو موضوعة لمجرد تعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فيه من غير دلالة على انتفاء الأول أو الثاني أو على استمرار الجزاء بل جميع هذه الأمور خارجة عن مفهومها مستفادة بمعونة القرائن كي لا يلزم القول بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز من غير ضرورة وأشار بقوله وظاهرها إلخ إلى ترجيح قول الشيخ ابن الحاجب أن لو حرف يدل على امتناع تال يلزم لثبوته ثبوت تالية أي في الماضي وتزييف المشهور من أنها حرف امتناع لامتناع يعني أنه لما كان لو من حروف الشرط ومعناها مجرد التعليق فاللازم لمفهومها هو الدلالة على انتفاء الأول بانتفاء الثاني وكون هذا القول لازما لمفهومها لا يستلزم الإرادة في جميع مواردها فإن الدلالة غير الإرادة ووجه تزييف المشهور هو أنه مع توقفه على كون انتفاء الأول مأخوذا في مدلول لو المستلزم خلاف الأصل كما عرفت يرد عليه أن المستفاد من التعليق على أمر مفروض الحصول إبداء المانع من حصول المعلق في الماضي وأنه لم يخرج من العدم الأصلي إلى حد الوجود وبقي على حاله لارتباط وجوده بأمر معدوم وأما أن انتفاءه بسبب لانتفائه في الخارج فلا كيف والشرط النحوي قد يكون مسببا نحو لو كان العالم مضيئا لكانت الشمس طالعة وقد يكون مضافا نحو لو كان زيد أبا لعمرو لكان عمرو ابنا له .

وقد يكون الشرط والجزاء معلولين لعلة واحدة نحو لو كان النهار موجودا لكان العالم مضيئا نعم انتفاء الشرط الاصطلاحي هو الذي يقتضي انتفاء المشروط في الخارج ومن هذا ظهر جواب ما قاله السعد من أنه يدلك على أنها مستعملة لإفادة السببية الخارجية قول أبي العلاء :

ولو دامت الدولات كانوا كغيرهم     رعايا ولكن ما لهن دوام

وقول الخماسي :

ولو طارد ذو حافر قبلها     لطارت ولكنه لم يطر

لأن استثناء المقدم لا ينتج وذلك لأن اللازم مما ذكره أن لا يكون مستعملا للاستدلال بانتفاء الأول على انتفاء الثاني ولا يلزم منه أن لا تكون مستعملة لمجرد التعليق لإفادة إبداء المانع مع قيام [ ص: 101 ] المقتضي كيف ولو كان معناها إفادة سببية الانتفاء للانتفاء كان الاستثناء تأكيدا وإعادة بخلاف ما إذا كان معناها مجرد التعليق فإنه يكون إفادة وتأسيسا ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث