الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام غير الأموال وبين قاعدة ما لا ينتقل من الأحكام

( الفرق السابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام غير الأموال وبين قاعدة ما لا ينتقل من الأحكام )

اعلم أنه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من مات عن حق فلورثته } ، وهذا اللفظ [ ص: 276 ] ليس على عمومه ، بل من الحقوق ما ينتقل إلى الوارث ومنها ما لا ينتقل فمن حق الإنسان أن يلاعن عند سبب اللعان وأن يفيء بعد الإيلاء وأن يعود بعد الظهار وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهن وهن أكثر من أربع وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما ، وإذا جعل المتبايعان له الخيار فمن حقه أن يملك إمضاء البيع عليهما وفسخه ومن حقه ما فوض إليه من الولايات والمناصب كالقصاص والإمامة والخطابة وغيرهما وكالأمانة والوكالة فجميع هذه الحقوق لا ينتقل للوارث منها شيء وإن كانت ثابتة للمورث ، بل الضابط لما ينتقل إليه ما كان متعلقا بالمال أو يدفع ضررا عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه وما كان متعلقا بنفس المورث وعقله وشهواته لا ينتقل للوارث والسر في الفرق أن الورثة يرثون المال فيرثون ما يتعلق به تبعا له ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه فلا يرثون ما يتعلق بذلك وما لا يورث لا يرثون ما يتعلق به ، فاللعان يرجع إلى أمر يعتقده لا يشاركه فيه غيره غالبا والاعتقادات ليست من باب المال [ ص: 277 ] والفيئة شهوته والعود إرادته واختيار الأختين والنسوة إربه وميله وقضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ورأيه ومناصبه وولاياته وآراؤه واجتهاداته وأفعاله الدينية فهو دينه ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث ؛ لأنه لم يرث مستنده وأصله ، وانتقل للوارث خيار الشرط في البيعات .

وقاله الشافعي رحمه الله تعالى ، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل لا ينتقل إليه وينتقل للوارث خيار الشفعة عندنا وخيار التعيين إذا اشترى مورثه عبدا من عبدين على أن يختار ، وخيار الوصية إذا مات الموصى له بعد موت الموصي وخيار الإقالة والقبول إذا أوجب البيع لزيد فلوارثه القبول والرد .

وقال ابن المواز إذا قال من جاءني بعشرة فغلامي له فمتى جاء أحد بذلك إلى شهرين لزمه وخيار الهبة وفيه خلاف ومنع أبو حنيفة خيار الشفعة وسلم خيار الرد بالعيب وخيار تعدد الصفقة وحق القصاص وحق الرهن وحبس المبيع وخيار ما وجد من أموال المسلمين في الغنيمة فمات ربه قبل أن يختار أخذه بعد القسمة ووافقناه نحن على خيار [ ص: 278 ] الهبة في الأب للابن بالاعتصار وخيار العتق واللعان والكتابة والطلاق بأن يقول طلقت امرأتي متى شئت فيموت المقول له وسلم الشافعي جميع ما سلمناه وسلم خيار الإقالة والقبول ومدارك المسألة على أن الخيار عندنا صفة للعقد فينتقل مع العقد فإن آثار العقد انتقلت للوارث ، وعند أبي حنيفة صفة للعاقد ؛ لأنها مشيئته واختياره فتبطل بموته كما تبطل سائر صفاته ؛ ولأن الأجل في الثمن لا يورث فكذلك في الخيار ؛ ولأن البائع رضي بخيار واحد وأنتم تثبتونه لجماعة لم يرض بهم وهم الورثة فوجب أن لا يتعدى الخيار من اشترط له كما لا يتعدى الأجل من اشترط له .

( والجواب عن الأول ) أن اختياره صفته ، ولكن صفة متعلقة بالمال فينتقل كاختياره الأكل والشرب وأنواع الانتفاع في المال فإن جميع ذلك ينتقل تبعا للمال ( وعن الثاني ) أن الأجل معناه تأخير المطالبة ، والوارث لا مطالبة عليه ، بل هو صفة للدين لا جرم لما انتقل الدين للوارث انتقل مؤجلا ، وكذلك ها هنا تنتقل الصفة لمن انتقل إليه الموصوف فهذا لنا لا علينا ( وعن [ ص: 279 ] الثالث ) أنه ينتقض بخيار التعيين وبشرط الخيار للأجنبي ، وقد أثبتوه للوارث وبما إذا جنى فإنه ينتقل إلى الولي ما لم يرض به البائع فهذا تلخيص مدرك الخلاف ويعضدنا في موطن الخلاف قوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } وهو عام في الحقوق فيتناوله صورة النزاع ولم يخرج عن حقوق الأموال إلا صورتان فيما علمت حد القذف وقصاص الأطراف والجرح والمنافع في الأعضاء فإن هاتين الصورتين تنتقلان للوارث وهما ليستا بمال لأجل شفاء غليل الوارث بما دخل على عرضه من قذف مورثه والجناية عليه ، وأما قصاص النفس فإنه لا يورث فإنه لم يثبت للمجني عليه قبل موته وإنما ثبت للوارث ابتداء ؛ لأن استحقاقه فرع زهوق النفس فلا يقع إلا للوارث بعد موت المورث فهذا تلخيص هذا الفرق ببيان سره ومداركه والخلاف فيه .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام غير الأموال وبين قاعدة ما لا ينتقل من الأحكام )

قد علمت من كلام الحفيد في المسألة الخامسة من مسائل خيار الشرط أنه لا خلاف في انتقال الأموال إلى الأقارب ومن الخلاف بين فقهاء الأمصار في الحقوق وذلك أنه .

وإن روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من مات عن حق فلورثته } إلا أن الحقوق لما لم تكن كلها بمعنى واحد ، بل منها ما يتعلق بالمال كخيار الشفعة وخيار الشرط في البياعات وخيار الرد في البيع وخيار تعدد الصفقة وخيار التعيين كأن يشتري عبدا من عبدين على أن يختار وخيار الوصية إذا مات الموصى له بعد موت الموصي وخيار الإقالة والقبول ومنها ما يدفع ضررا عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه كحد القذف وقصاص الأطراف والجراح والمنافع في الأعضاء ومنها ما يتعلق بنفس الموروث وعقله وشهوته كالولايات والمناصب والأمانة والوكالة واللعان والفيئة والعود واختيار إحدى الأختين ونحو ذلك لم يبقوا لفظ الحديث المذكور على عمومه ، بل خصوه بما ينتقل منها للوارث وضابطه أنه كل ما كان متعلقا بالمال أو يدفع ضررا عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه .

وأما ما لا ينتقل إلى الوارث منها فلا يشمله لفظ الحديث وضابطه أنه كل ما كان متعلقا بنفس الموروث والسر في الفرق أن الورثة يرثون المال فيرثون ما يتعلق به تبعا له ولا يرثون عقل مورثهم ولا شهوته ولا نفسه فلا يرثون ما يتعلق بذلك ضرورة أن ما لا يورث لا يورث كما ما يتعلق به لحما أنهم لا يرثون كل ما يخرج عن حقوق الأموال إلا صورتين إحداهما القذف وثانيتها قصاص الأطراف والجراح والمنافع فإن هاتين الصورتين وإن خرجتا عن حقوق الأموال تنتقلان للوارث لأجل شفاء غليله بما دخل على عرضه من قذف مورثه والجناية عليه ولما لم يثبت للمجني عليه قبل موته قصاص النفس وإنما ثبت للوارث ابتداء ؛ لأن استحقاقه فرع زهوق النفس لم يكن [ ص: 285 ] قصاص النفس مما ينتقل للوارث ؛ لأنه لا يقع إلا للوارث بعد موت المورث فمن هنا لما كان اللعان يرجع إلى أمر يعني الموروث لا يشاركه فيه غيره غالبا والاعتقادات ليست من باب المال وكانت الفيئة شهوته والعود إرادته .

وكان اختيار نحو إحدى الأختين متعلقا بنفسه ؛ لأن النسوة إربه وميله وكان قضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ورأيه ، وكذا سائر مناصبه وولاياته وآرائه واجتهاداته وكانت أفعاله الدينية هي دينه لم يكن شيء من هذه الحقوق وإن كانت للموروث بمنتقل لوارثه عند فقهاء الأمصار إذ من حقوق الإنسان أن يلاعن عند سبب اللعان وأن يفيء بعد الإيلاء وأن يعود بعد الظهار وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهن وهن أكثر من أربع وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما ومن حقه إذا جعل المتبايعان له الخيار أن يملك إمضاء البيع عليهما وفسخه ومن حقه ما فوض إليه من الولايات والمناصب كالقصاص والإمامة والخطابة والإفتاء وغيرها وكالأمانة والوكالة ومن حقه جميع أفعاله الدينية فلا ينتقل شيء من ذلك للوارث لأنه لم يرث مستنده وأصله ، وكذلك خيار الهبة في الأب للابن بالاعتصار وخيار العتق والكتابة والطلاق بأن يقول طلق امرأتي متى شئت فيموت المقول له ولما كان نحو خيار الرد بالعيب وخيار تعدد الصفقة وحق القصاص وحق الرهن وحبس المبيع وخيار ما وجد من أموال المسلمين في الغنيمة فمات ربه قبل أن يختار أخذه بعد القسمة من حقوق الموروث المتعلقة بالمال قطعا كان عند الأئمة من الحقوق المنتقلة للوارث قطعيا ولما كان خيار الشرط في المبيعات ونحوه مما يتردد بين كونه صفة للعقد أو صفة للعاقد اختلف الأئمة في انتقاله للوارث وعدم انتقاله فذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما إلى انتقاله لأنه صفة العقد وأثر من آثاره فينتقل معه للوارث وذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما إلى عدم انتقاله لثلاثة وجوه

( الوجه الأول ) أنه صفة للعاقد لأنها مشيئته واختياره فتبطل بموته كما تبطل سائر صفاته وجوابه إن اختياره وإن كانت صفته إلا أنها صفة متعلقة بالمال كاختياره الأكل والشرب وأنواع الانتفاع في المال فينتقل كما ينتقل جميع ذلك تبعا للمال

( الوجه الثاني ) إن الأجل في الثمن لا يورث فكذلك في الخيار وجوابه إن الأجل معناه تأخير المطالبة وتأخير المطالبة صفة للدين فلا جرم أن الدين لما انتقل للوارث انتقل مؤجلا ضرورة أن الصفة تنتقل لمن انتقل إليه الموصوف ، وكذلك هاهنا فهذا لنا لا علينا

( الوجه الثالث ) أن البائع رضي بخيار واحد فكيف تثبتونه أنتم لجماعة لم يرض بهم وهم الورثة مع أن الواجب أن لا يتعدى الخيار من اشترط له كما لا يتعدى الأجل من اشترط له وجوابه أنه ينتقض بخيار التعيين وبشرط الخيار للأجنبي ، وقد أثبتوه للوارث وبما إذا جنى فإنه ينتقل إلى الولي ما لم يوص به البائع هذا تهذيب ما في الأصل من تلخيص هذا الفرق ببيان سره ومداركه والخلاف فيه وسلمه الإمام ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث