الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه

( الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه ) :

اعلم أن الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق والعتق وغير ذلك فجميع ما ينشأ من ذلك يشترط فيه حالة إنشائهن مقارنة ما هو معتبر فيه حالة الإنشاء فهذه شأن الإنشاءات كلها بخلاف الإقرارات لا يشترط فيها حضور ما هو معتبر في المقربة حالة الإقرار لأن الإقرار ليس سببا في نفسه بل هو دليل السبب لاستحقاق المقربة في زمن سابق فيحمل على أن السبب مع ما هو معتبر فيه قد تقدم على الوجه المعتبر الشرعي فمن قال هو يستحق علي دينارا من ثمن دابة حملنا هذا الإقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في ذات تقبل البيع لا خمر ، ولا خنزير على ما هو معتبر في البيع ، ولذلك قال العلماء رضي الله عنه لا إذا باعه بدينار ، وفي البلد نقود مختلفة السكة تعين الغالب منها هنا لأن التصرف محمول على الغالب ، ولو أقر بدينار في بلد ، وفيها نقد غالب لا يتعين الغالب لأن الإقرار دليل على تقدم السبب لاستحقاق الدينار فلعل السبب وقع في بلد آخر وزمان متقدم تقدما كثيرا يكون الواقع حينئذ سكة غير هذا الغالب ، وتكون هي الغالبة في ذلك الوقت ، وفي ذلك البلد ، والاستحقاق يتبع زمن وقوع السبب لا زمن الإقرار به .

ويكون هذا الغالب متجددا بعد تجدد ذلك الغالب ، وناسخا له فما تعين هذا الغالب الحاضر الآن فيحمل الإقرار عليه كما تعين الغالب الموجود حالة الإقرار فيقبل تفسيره في إقراره بأي سكة ذلك الدينار ، وكذلك لو أقر المجنون الآن أو سكران أو مغمى عليه بدينار من ثمن بيع قبل إقراره ، وحمل على أن ذلك البيع وقع من المجنون حالة عقله ، ومن السكران حالة صحوه ، ومن المغمى عليه حالة إفاقته ، وأن شروط البيع الآن مفقودة في حقهم ، وكذلك لو أقر أنه يستحق عليه ثمن بيع هذه الدار الموقوفة الآن صح إقراره ، وحمل على حالة تكون فيها هذه الدار طلقا ، وكذلك جميع هذه النظائر التي تكون الشروط فيها فائتة حالة الإقرار ، ويمكن اعتبارها في الزمن الماضي أما لو علم التعذر في الماضي ، والحاضر بطل الإقرار كما لو قال من ثمن هذا الخنزير فإن الخنزير لا يكون في الماضي غير خنزير ، والوقف يمكن أن يكون طلقا ، وكذلك بقية النظائر [ ص: 38 ] تتخرج على هذا الأسلوب ، ومقتضى هذا الفرق ، وهذه القاعدة أن تشترط المقارنة إذا أوصى لجنين أو ملكه ، ويشترط التقدم فيما إذا أقر له لتقدم السبب على الإقرار فإن حصل الشك في تقدم الجنين لم يلزم الإقرار لأنا شككنا في المحل القابل للملك ، وهو شرط ، والشك في الشرط يمنع ترتب المشروط على ما تقدم في أول الفروق .

[ ص: 40 ]

التالي السابق


[ ص: 40 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه )

وهو أن ما كان سببا في معاملة يشترط حال وقوعه مقارنة ما هو معتبر فيما ينشأ منه من اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع ، وما كان دليل تقدم سبب لمعاملة لا يشترط حال وقوعه مقارنة شروط ذلك المسبب وأسبابه وانتفاء موانعه ( والأول ) هو الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق والعتق ، وغير ذلك فشأن الإنشاءات كلها أنه يشترط في جميع ما ينشأ منها مقارنة ما هو معتبر فيه حالة الإنشاء .

( والثاني ) هو الإقرارات فلا يشترط فيها حضور ما هو معتبر في المقر به حالة الإقرار لأن الإقرار ليس سببا لاستحقاق المقر به بل هو دليل تقدم السبب لاستحقاقه في زمن سابق فيحمل على أن السبب مع ما هو معتبر فيه قد تقدم على الوجه المعتبر الشرعي فمن قال هو يستحق علي دينارا من ثمن دابة حملنا هذا الإقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في ذات تقبل البيع لا خمر ولا خنزير على ما هو معتبر في البيع لأن التصرف محمول على الغالب ، وعلى مقتضى هذا الفرق تتفرع مسألتان .

( المسألة الأولى ) قال العلماء رضي الله عنهم إذا باعه بدينار ، وفي البلد نقود مختلفة السكة تعين الغالب منها هنا لأن التصرف محمول على الغالب ، ولو أقر بدينار في بلد ، وفيها نقد غالب لا يتعين الغالب بل يقبل تفسيره في إقراره بأي سكة ذلك الدينار لأن الإقرار دليل على تقدم السبب لاستحقاق الدينار فلعل السبب واقع في بلد آخر في زمان متقدم تقدما كثيرا ، والغالب حينئذ في ذلك الوقت ، وفي ذلك البلد سكة غير هذا الغالب المتجدد ناسخا لذلك الغالب الواقع قبله ، والاستحقاق يتبع زمن وقوع السبب لا زمن الإقرار به ، وهكذا جميع النظائر التي تكون الشروط فيها فائتة حالة الإقرار ، ويمكن اعتبارها في الزمن الماضي الذي هو زمن وقوع السبب كما لو أقر المجنون الآن [ ص: 76 ] أو سكران الآن أو مغمى عليه الآن بدينار من ثمن بيع قبل إقراره فيحمل على أن ذلك البيع وقع من المجنون حالة عقله ، ومن السكران حالة صحوه ، ومن المغمى عليه حالة إفاقته ، وأن شروط البيع الآن مفقودة في حقهم ، وكما لو أقر أنه يستحق عليه ثمن بيع هذه الدار الموقوفة الآن فيصح إقراره ، ويحمل على حالة تكون فيه هذه الدار طلقا ، وأما النظائر التي تتعذر فيها الشروط في الماضي والحاضر كما لو أقر بدينار من ثمن هذا الخنزير فإن الخنزير لا يكون في الماضي غير خنزير فيبطل الإقرار في ذلك .

( المسألة الثانية ) إذا أوصى لجنين أو ملكه فالشرط المقارنة ، وإذا أقر له فالشرط تقدم السبب على الإقرار فإن حصل الشك في تقدم الجنين لم يلزم الإقرار لأنا شككنا في المحل القابل للملك ، وهو شرط ، والشك في الشرط يمنع ترتب المشروط على ما تقدم في أول الفروق أفاده الأصل ، وسلمه أبو القاسم بن الشاط ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث