الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            معلومات الكتاب

            التقنيات الحديثة (فوائد وأضرار) (دراسة للتأثيرات السلبية على صحة الفرد)

            الأستاذ الدكتور / شعاع اليوسف

            الفصل الأول

            التقنيات الحديثة والمسيرة الإنسانية

            لاشك أن ماهية التقدم لا ترتبط بالتقنية بشكل خاص، فقد حقق التطبيق الشامل للتشريع الإسلامي في القرن السادس الميلادي حضارة متقدمة جدا، وقد ظهر هـذا التطبيق على شكل متميز من العدل وإكمال مكارم الأخلاق والعناية بالروح، بالإضافة إلى الحفاظ على الصحة الجسدية. كما أن التكافل الإسلامي قد حقق العدالة الشاملة للعالم الإسلامي ولو في عصر من العصور على الأقل؛ وقد حدث ذلك رغم عدم تطور التقنيات في تلك الفترة، بل إن انهيار الحضارات مرتبط بانحلال القيم والأخلاق، رغم تقدم التقنيات،

            يقول تعالى: ( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (الأنعام:11) . ولابد من تأكيد ذلك المفهوم للحضارة حتى يحدد المجتمع موقفه من التقنيات العالمية ، التي وإن كانت قد بدأت في الغرب فإنها قد انتشرت في كل أنحاء العالم حتى صارت عالمية. هـذا فضلا عن أنها قامت أساسا واستمرت بعد ذلك على عناصر أساسية من حضارات مختلفة، أهمها الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في العالم الإسلامي خلال القرون من الثالث إلى الخامس الهجري (أي من التاسع حتى الحادي عشر الميلادي) .. من [ ص: 31 ] الحضارة الإسـلامية بدأ العقل الغربي عامة بأسلوب ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد، 1126-1198م) في تقدير العقل الإنساني، كما ارتكز على المنهج التجريبي الذي نقله فرنسيس بيكون (1561-1626م) عن علم أصول الفقه الإسلامي؛ ومن هـاتين الوسيلتين، ذواتي الأصل الإسلامي ابتدأت الحضارة الغربية، التي صارت عالمية بالنهج العقلي والأسلوب التجريبي، فحققت نجاحات مؤكدة، كما فتحت أمام البشرية دروبا جديدة شائكة ومعقدة. يقول العالم «سبنسر» : إن الكون يسير نحو تحقيق هـدف سام متمثل في وجود عالم يجد فيه الفرد أقصى فرصة للتعبير عن ذاته وتحقيقها دون التعدي على حقوق الآخرين.. لكن كيف ومتى يتحقق هـذا الهدف؟ في دوامة التقنيات الجديدة يمر الإنسان المعاصر بفترة نشاط تطورية ولكن ليس في اتجاه تحقيق هـذا الهدف، بل ربما في الاتجاه المعاكس! إذ تتكاثر السلبيات على حساب الإيجابيات، وعليه لابد أن تصلح الحضارة نفسها من خلال روافد القيم الصالحة [1] . إن الحضارة كلمة شاملة، كشمولية الحياة، بما فيها من سلوكيات ومعنويات وماديات، إيجابية كانت أم سلبية. ولكن كيف ارتبطت الحضارة بالفكر التقني الذي تطور حتى وصل لوضعه الحالي؟ لا شك أن هـناك الكثير [ ص: 32 ] من المؤثرات المتداخلة والعوامل المتشابكة التي وجهت مسيرة الحضارة تزامنا مع ظهور التقنيات. ويبدو أن من أهمها التغيرات الحادثة في بيئة الأرض، وكمثال جيد فالتوازن الجيولوجي على سطح الأرض يحتاج إلى هـزات رهيبة، أليس من خلال الزلازل والبراكين والفيضانات تشكل الأرض وجهها حسب البيئة المتغيرة من حولها؟

            كذلك أدت حتمية التطور البيولوجي إلى ظهور الأنواع المختلفة للكائنات الحية تبعا للتغيرات البيئية:

            ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (الأنعام:38) .

            كذلك تخضع جميع العلوم الفيزيائية والكيميائية لهذه الحتميات والتطورات تماما كما تسهم مجابهات الاقتصاد والثقافة في إقامة نظام جديد أو في مزاوجة التقنيات لبزوغ تقنية أخرى. ولا شك في أن الإنسان لم يصنع التقنيات بعقله فقط بل بتركيبه العضوي وخصائصه البدنية التي ميزته عن باقي الكائنات. أما التفكير المتسلسل والمنظم فهو عملية حضارية استغرقت زمنا طويلا، بحيث أصبح هـذا التفكير عنصرا أساسيا وفعالا في توجيه حياة الفرد؛ وبذلك ارتكزت الحضارة الإنسانية على محورين أساسين هـما: الزمن أو التاريخ ثم العقل أوالتفكير [2] . [ ص: 33 ] ومن غير أدنى شك، فإنه لا يمكن لأحد أن يقف في وجه التطور التقني، أيا كان شكله أو توجهه، فهو حدث تلقائي بل وضروري جدا لاستمرارية الزمان والمكان.. ولا شك في أن تغيرات المكان والزمان لابد وأن تؤدي إلى تحولات في الكائنات جمـيعا.. وبالتالي تتغـير المجتمعات وما تخترع من التقنيات طبقا لهذه التغيرات.. هـكذا لا يبقى الثبات على أحد.. إن ما يحدث من تغيرات في التقنيات يتناغم.. وهذا ما أكده المؤرخ «آرنولد توينبي» في كتابه «البشر وأمهم الأرض». ومن الواضح أن التقنيات الحديثة قد أصبحت متداخلة ومتكاملة لجميع أنشطة الفرد، متعددة الأبعاد، سواء في السلوكيات أو في تنظيم الطاقات، ولن نستطيع حصر مفردات التقنيات أو وضع قائمة بالأشياء التي تعني للبعض الحضارة أو المدنية، وفي نهاية المطاف تصبح مدنية العالم الحديث موحدة في كل مكان من العالم. كما ظهرت مجموعة هـائلة من المفردات العلمية والفنية والتقنية والبروتوكولات الاجتماعية المتفق عليها عالميا؛ وقد شكل ذلك كما هـائلا من الشفرات والرموز المتطورة حتى تم التفاهم بسهولة بين الشعوب [3] . [ ص: 34 ] في كتاب بعنوان: «بنادق وجراثيم وصلب، مصائر المجتمعات الحديثة» [4] حاول المؤلف «جيراد دايموند» تقديم خلاصة وافية عن تاريخ العالم طوال ثلاثة عشر ألف عام مضت، كما استعرض بداية حياة الكائنات جميعا على ظهر كوكب الأرض؛ كذلك قام بسرد التقنيات التي نشأت واندثرت مع تحديد أسباب الفجوة الحضارية بين الشعوب. وقد استعرض المؤلف مراحل الطفرة التي نقلت المجتمعات البدائية من حالة التخلف لتتبوأ قيادة العالم؛ والجديد في فكر المؤلف هـو اعتقاده بأن الشعوب المقهورة والمستعمرة قد ساهمت في بناء التقنية أكثر من غيرها

            ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140) .

            لكن المؤلف أسقط حقبة البعد الصفري، وهي حوالي المليونين عام، التي عاشها الإنسـان في العصر الجليدي، كذلك لم يشر إلى أهمية العـلوم النظرية والفلسفـية في توجيه مسارات التقنية، ولم يتحدث بالتفصـيل عن تطور العلوم التطبيقية وبنائها التدريجي للحضارة الحديثة.

            والحقيقة أن المرحلة التالية للبعد الصفري كانت مرحلة كسر حاجز العزلة، حيث تكون الخط المتصل للبشرية، وتلاقت الخطوط العامة للخبرات، فمن الهند جاءت الأعداد العشرية، ومن شبه الجزيرة العربية جاءت الجياد [ ص: 35 ] الأصيلة، ومن تركيا الحديد والبرونز، ومن إيران النسيج والسجاد، ومن مصر العجلات وورق البردي والزجاج، ومن الصين البارود والبوصلة والأواني الصينية؛ كذلك تم تبادل الثقافات والأديان والعلوم المختلفة، واستغرق ذلك خمسة آلاف سنة. أما البعد الحضـاري الثاني فكان عصر الرحلات والاكتشافات الكبرى، وعليه شقت الطرق، وتكونت المدن، وظهرت الإمبراطوريات والحضارات الكبرى في الصـين والهند ومصر وفارس واليونان والرومان . وقد اكتمل البعد الثاني للحضـارة عندما بنيت السفن والأساطيل الضخمة مع معدات الملاحة المتطورة، لقد حدث ذلك في بدايات القرن الخامس عشر، واعتبـرها بعضهم بداية لسطوة العولمة حيث قفزت المصالح الاقتصادية عبر الحدود، وظهرت المستعمرات التي ساندها سيل المعلومات والتطبيقات العلمية. ثم كان البعد الثالث باقتحام الفضاء وبتقدم فنون الطيران، مما سهل نقل البشر والسلع وزاد من ترابط الشعوب، وزاد أيضا من حدة الحروب ومن استخدامات أسلحة الدمار الشامل. وهكذا بدأ صراع القوى الكبرى على الفضاء، مما زاد من سيطرة المؤسسات متعددة الجنسية. ثم ظهر البعد الرابع بتفجر الثورة الإلكترونية وتدفق سيل المعلومات، وما واكب ذلك من تعدد أنواع وسرعة الاتصالات، وظهر المجتمع الاعتباري أو اللامكاني. هـكذا تمت السيطرة على العقول دون قيود، وتم [ ص: 36 ] اختراق النفوس دون حدود، وأحكمت السيطرة الكلية على الفرد دون وجود حقيقي للمسيطر الذي يمكن محاربته والقضاء عليه. اليوم وتحت ( ظاهرة التفكيك ) يحاول العلم فهم الكون في أبسط تركيباته، بدءا من الذرة ومرورا بالخلية وتركيب الدماغ وانتهاء بهندسة المجرات. ومنذ نهاية القرن الفائت تلاحقت الانتصارات العلمية في اختراقات فضاءات معرفية شتى، حيث اكتشف العالم «رونتجن» الأشعة السينية عام 1895م، وكان أول من نال جائزة نوبل عليها. وفي عام 1896م اكتشف «بكريل» النشاط الإشعاعي ؛ وفي عام 1897م اكتشف «تومسون» الإلكترون ، وهكذا قلب الاعتقاد الإغريقي القائل: بأن الذرة لا تنقسم؛ وفي 1898م عزلت عائلة «كوري» الراديوم ؛ ووضع «ماكس بلانك» عام 1900م قانون «الجسم الأسود» وطور «ميكانيكا الكم» ؛ وتقدم «آينشتاين» عام 1905م بنظريته في النسبية الخاصة، وحددت سرعة الضوء كسقف علوي لأقصى سرعة. وفي عام 1911م توصل العالم «رذرفورد» إلى معرفة البروتون وأنه إيجابي الشحنة ويعادل الإلكترون السالب ولكنه أثقل منه بـ 1836 مرة، واقترح نظاما خاصا لتركيب الذرة يشبه النظام الشمسي، تستقر في المركز البروتونات وتطوف حولها الإلكترونات مثل الكواكب حول الشمس. وهذا بدوره طوره «سومر فيلد» عام 1938م بدوران الإلكترونات على شكل «اهليلجي» كما في دوران الكواكب في نظامنا الشمسي، وهكذا حول الذرة إلى نظام شمسي. [ ص: 37 ] وفي عام 1932م كشف «شادويك» عن «النيترون الحيادي» الذي يعمل على تماسك البروتونات بسبب التدافع بين الشحنات المتشابهة فيمسك نواة الذرة أن تزول. وجعل «نيلزبور» ذلك النموذج يعمل، ويعتبر «شادويك» مكتشـف النيتـرون ، أما «انريكو فرمي» فاسـتعمل ذلك النيترون لفلق النواة وتحويلها إلى عناصر أخرى. ويأتي في مقدمة هـؤلاء «ماكس بلانك» الذي أعطى الطاقة المفهوم الذري كالمادة و «لودفيغ بولتزمان» الذي يعود إليه الفضل أن جعل الذرة شيئا حقيقيا كالعالم الذي نعيش فيه.

            وقد تابع العلم سيره نحو أدق الدقائق، فبنى المسرعات النووية تحت الأرض بحقول مغناطيسية ، كما في مفاعل «سيرن، CERN» الأوروبي لتحطيم البنى «دون الذرية» لمعرفة أين تنتهي رحلة العالم الأصغر. وما زال العالم اليوم عند حـافة «الكواركز» المكونات الأولية للبروتونات واللبتونات في الإلكترونات في قوة (عشرة قوة ناقص 16) أما الكون فوصل فيه إلى حافة عشرة قوة 24، وهكذا فنحن نسبح بين «الماكرو والميكرو،Macro & Micro» في حدود عشرة قوة أربعين، فهذه هـي حدود العلم اليوم. كما أمكن تركيب (مضاد المادة) ANTImATERIAL التي هـي الذرة نفسها مقلوبة الشحنة ببروتون سلبي وإلكترون موجب يسمى البوزترون . وحاولت أميركا أن تأخذ قصب السبق في تفكيك البناء الذري أكثر من غيرها فعمدت إلى الانطلاق بمشروع (ماموت) في بناء مسرع [ ص: 38 ] نووي ثم وقفت عن متابعته بسبب الكلفة الباهظة التي تجاوزت 11 مليار دولار أميركي لمشروع أكاديمي [5] . وقد برهن «مورجان» في عام 1910م على صحة قوانين «مندل» وأثبت بصورة قاطعة أن الصفات الوراثية تنتقل من جيل لآخر بواسطة «الكروموسومات» ، وهكذا فرضت الحتمية الوراثية قيودها على البشر. ومنذ ذلك العهد أصبح هـم الفرد هـو توحيد الكون الطبيعي والكون الاجتماعي، وقد ساعد العلم في ذلك بإثبات أن جميع الكائنات (نبات - حيوان - إنسان) تتكون من خلايا متشابهة وتشترك جميعا في نموذج الخلية الأساسي، كما أن الخلية بدورها تشترك مع الجمادات في التكون من نفس العناصر الأساسية مثل الكربون، هـيدروجين، أكسجين، نيتروجين وغير ذلك من العناصر. ثم أخذت الأبحاث العلمية مجرى جديدا في شق الطريق إلى أدق الدقائق في (البيولوجيا) و (العلوم العصبية) لكشف أسرار الدماغ، وهكذا تم تفكيك الجينوم البشري، وهو ما عرف بالقنبلة البيولوجية للقرن الواحد والعشرين. ومن غرائب الصدف أن العمل عليه يقع في «لوس آلاموس» نفس مكان إنتاج السلاح النووي! وقد تم فك كامل الخريطة الوراثية عند الإنسان في فبراير من عام 2003م كما أعلن ذلك «كريج فنت، Craig Venter». [ ص: 39 ] والعلماء اليوم بصدد رسم خرائط كاملة لكل المخلوقات، ونحن نعلم اليوم أن الكود الوراثي عند الشمبانزي لا يختلف عن الإنسان بأكثر من 1%؛ لكن القفزة النوعية للإنسان هـي في هـذا الفارق المكون من ثلاثين مليون حامض نووي فقط، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشريط الوراثي الكامل مكون من ثلاثة مليارات حامض في النواة! ونحن نعلم أيضا أن تركيب الخلية والعلاقة بين عضياتها أعقد بكثير مما نتصور، وفي نواة الخلية يكرر الكود وراثي إنتاج نفسه على نحو مذهل يقدره العلماء بنسخ تبلغ 500 بليون نسخة في اللحظة بدون خطأ واحد! [6] وقد بدأت رحلة الحياة بوحيدات الخلية لمدة ملياري سنة قبل ظهور عديدات الخلايا. يثبت ذلك مدى التطابق بين الكائنات الحية والبيئة التي تعيش فيها، وأن أي تلاعب في هـذا التوازن باستخدام التقنيات الحديثة يؤدي إلى مخاطر كبيرة تظهر اليوم على شكل أمراض السرطان والإيدز وانفجار فيروس الإيبولا من غابات أفريقيا .

            وعند تعقب المخترعات وآثارها، سوف نجد أنها بدأت بجهود حثيثة ثم ظهرت بصور متواضعة، وكان تأثيرها في المجتمعات يحدث بتسلسل هـادئ. وعلى سبيل المثال فقد اخترع الكهرباء «توماس أديسون» (1847-1931م) وبدأ استخدامها في إنارة الشـوارع، التي كانت تنـار بالغاز، أو لا تنار [ ص: 40 ] إطلاقا، ثم انتقل استخدام الكهرباء إلى إنارة البيوت. وقد ترتب على استخدام الكهرباء اختراع المصاعد الكهربائية التي كانت السبب الرئيسي في ارتفاع الأبنية حتى ظهرت ناطحات السحاب. كذلك نتج عن شيوع استخدام الكهرباء اختراع المذياع والحاكي (الفونوغراف المعروفة الآن بالمسجل) ثم التلفاز، الذي بدأ انتشاره الواسع في الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م. وفي العصر الحالي شاع استعمال الطائرات والسيارات والحافلات والمذياع والقنوات التلفازية الأرضية والفضائية، والهاتف الثابت والمحمول (الجوال) والاتصالات الإلكترونية ، هـذا فضلا عن الأدوات المنـزلية من ثلاجات ومبردات وأفران كهربائية وغسالات وغيرها.

            وحين انتشرت هـذه الاختراعات من نواتج الحضارة وفواعل التقنية تهيأت لها المجتمعات الغربية وحدث فيها تغيير وتعديل متتال وتكيف بشري لإعادة التنظيم الإداري والاجتماعي. لكن الحال بالنسبة لأغلب البلاد العربية لم يكن كذلك للأسف الشديد، وإنما حدث في بعض البلاد أن انفجرت الحضارة كبركان يقذف الاختراعات بقوة ثم يسير ببطء شديد في تعديل أساليب التعامل ونظم الإدارة وروابط المعاملات. هـكذا فوجئ الناس فوقع لهم ما يسمى بالصدمة الحضارية من اكتناز المعادن النفيسة كالذهب والفضة في مخابئ داخل البيوت إلى التعامل بالنقد أو بالكروت البلاستيكية، أو بالشيكات المصرفية، أو التحويلات المالية وغيرها. بل أصبح المال وحيازة [ ص: 41 ] التقنية (وليس إعادة التنظيم الإداري والاجتماعي) هـما مقياس كل شيء في التعامل والتصرف الشخصي والاجتماعي والدولي! وفضلا عن الصدمة المالية بحد ذاتها، فإن بعضهم قد أسرف في اقتناء السيارات وأجهزة الفيديو والجوال وغيرها، فزاد بذلك من ضخامة الصدمة وعمق من آثارها السلبية.

            ولاشك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي من أكبر الدول الإنتاجية والاستهلاكية في العالم، قد جعلت للدعاية والإعلام دورا مهما في تنشيط الاقتصاد القومي ليشمل العالم كله، وذلك بعد أن جعلت المجتمعات الغربية تتهيأ وتتكيف مع كل اختراع وتقنية جديدة. على سبيل المثال، فإن المواطن في الولايات المتحدة قد يستـهلك بكثرة؛ لأنه يستـهلك ما ينتجه، أو ما قد يساهم بأمواله في إنتاجه حتى ولو كان الإنتـاج في بلاد أخرى؛ أما إذا لم يستهلك بوفرة فإن عجلة الاقتصاد سوف تتوقف في بلده، وقد تغلق بعض المصانع ومحلات التوزيع أبوابها فيتعطل عدد كبـير من الشعب أو يفقد عمله. إذن الاستهلاك ضروري لانتعاش الاقتصاد وتقليل نسبة البطالة، لكنه من جانب آخر يسبب الكثير من المشاكل الصحية والمالية واستنـزاف للبيئة. وقد تنبهت الكثير من المجتمعات الغربية لتلك المشاكل، وعملت في جد ووعي وعلم على إعادة تأهيل النفوس وتهيئة المجتمعات للتعامل السليم مع منتجات وتقنيات الحضارة سواء النافع منها أو الضار، بل وأنشأت من أجل ذلك مؤسسات ومعاهد تهدف إلى تحقيق توافق الفرد مع [ ص: 42 ] التقنية ومع البيئة المحيطة من حوله. لكن أين شعوب العالم الثالث من ذلك كله؟ وأين بحثوهم ودراساتهم وما مدى تطبيقاتهم؟ الإجابة عن هـذه الأسئلة تحتاج لوقفة طويلة قد لا يسمح بها حيز هـذا الكتاب لكن صدى هـذه التساؤلات قد تفتح الطريق أمام مستقبل أفضل.

            ولن ننسى الدور الكبير الذي قامت به العلوم النظرية في توجيه المسارات التطورية للتقنيات المختلفة؛ وعلى سبيل المثال، فقد نشر العالم «هربرت سبنسر» في عام 1852م بحثا بعنوان: «نظرية حول السكان»، يعتقد فيه بأن النضال من أجل الوجود إذا تراخى فسوف يتبعه تفسخ اجتماعي؛ أما لو استمر النضال الاقتصادي والتقني فيمكن القضاء على العنصر الضعيف لصالح خير المجتمع بوجه عام، وربما تكون الفرضية الأخيرة مشابهة تماما لما يحدث لآلاف الخلايا في الجسد الواحد، والتي قد يتم التضحية ببعضها من أجل البقاء على فصيلة معينة من الخلايا، ويشير المفكر «ميخائيل جورباتشوف» إلى تلك النظرية بالتفصيل في كتابه (النظام العالمي الجديد) [7] .

            وفي عام 1860م نشر الفيلسوف «هيجل» مذهب الواحدية الذي ينص على وجوب توافق الإنسان مع الطبيعة، وعليه فليس للفرد حق الوجود ككائن متميز له روح متفردة! إنما هـو فقط على درجـة أعلى من التطور. كما طالب «هيجل» بأن يكون العلم في المقدمة ولكن دون [ ص: 43 ] تشجيع للإرادة الحرة التي قد تلعب دورا مدمرا في حياة المجتمعات، بل لا بد من الخضوع لسطوة الجماعة التي تدعم فرص الحياة، هـكذا لا تكون حياة الفرد ذات قيمة أو أهمية، وليس هـناك أي جاذبية لمجموعة مطلقة من الأخلاقيات أعظم من تلك الأخلاقيات المتصلة بمصلحة الجماعة ككل [8] . وهكذا أصبح الإنسان ضحية لعلوم البيولوجيا والسوسيولوجيا والإيكولوجيا وتقنياتها المختلفة.

            وهناك من يؤمن بأن ظاهرة الإنسان قد جاءت كنتاج لتطورات الوراثة والبيئة والتقنية لا غير! وهو حبيس جزيئات باطنية عقلية ومظاهر خارجية اجتماعية سبقته إلى الوجود، ولذلك فهي تشكله وتغرر به في جميع شئونه وأحواله، وبذلك ماتت الإنسانية في نظر الغرب. وبطبيعة الحال فإن موت الإنسانية يعني موت الفن؛ لأن هـذا يولد من ذاك؛ ولم يعد الهدف سوى البقاء على الطبيعة ما لم تفن في كارثة نووية أو بسبب تطور تقني آخر [9] .

            وفي العصر الحالي يطغى الصراع الاقتصادي الصناعي ويتحول في النهاية إلى صراع ثقافي حيث تنتصر ثقافة الغالب في المناحي الاقتصادية ويصطبغ العالم بها، بل عادة ما يسعى المغلوب لتقليد الغالب تقنية ولغة وفكرا وسلوكا. [ ص: 44 ]

            التالي السابق


            الخدمات العلمية