الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                    الفصل الثاني

                    النبي يؤسس للمستقبلية

                    السننية في الحديث

                    - علم السنن

                    إن من أهم المداخل لتجديد الدرس الحديثي الاهتمام بهذه السنن والقيم التي تناثر الكلام عليها في عدد هـائل من الآيات والأحاديث، لهذا دعا محمد عبده إلى تأسيس علم كفائي جديد سماه: «علم السنن»، قـال : «إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننا يوجب علينا أن نجعل هـذه السنن علما من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه. فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غير هـذا العلم من العلوم والفنون، التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبينها العلماء بالتفصيل -عملا بإرشاده- كالتوحيد والأصول والفقه. والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة»[1] . [ ص: 57 ] - التوقع فائدة السننية

                    ومن أهم وظائف علم السنن أو فقه السنن: وظيفة التوقع. لذلك يقول سبحانه عن المشركين:

                    ( فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة ) (فاطر:43-44) ؛

                    أي هـل ينتظرون ما سيقع في المستقبـل، وكيف غاب عنهم أن المستقبل سيـكون كالماضي، ما دامت هـناك عادة جارية وما دام أن الحياة تسـير على سنن ونظام معلومين. فهل ينتظرون مجرد التحقـق، وحينئذ لن ينفعهم الندم.

                    - أهمية السنة في علم السنن

                    ولقد قطع الفكر الإسلامي المعاصر أشواطا في طريق تحقيق ما دعا إليه محمد عبده . لكن يؤخذ على هـذه الجهود إهمالها دراسة السنة واستثمارها في العلوم الإنسانية، وفي مجال الحضارة بشكل عام، فكاد البحث المعاصر الخاص بهذا الجانب ينحصر في القرآن الكريم دون الحديث النبوي [2] . وهذا رغم وعي الدارسين بضرورة الجمع بين النصين، يقول الأستاذ زيدان : [ ص: 58 ] «سنن الله تعالى التي بينها الله في القرآن الكريم أو بينها الرسول صلى الله عليه وسلم جديرة بالدراسة والفهم، بل إن دراستها وفهمها من الأمور المهمة جدا والواجبة ديانة؛ لأن معرفتها معرفة لبعض الدين» [3] .

                    ورب قائل يقول: كيف نبحث الحديث النبوي على هـذا النهج وندونه ونضبط مسائله فيكون علما مستقلا؟ وهذا شيء لم يفعله السلف، والصحابة خاصة. وقد رد الشيخ عبده هـذا بأن الصحابة لم يدونوا العلوم الشرعية الأخرى، ونقل عنه تلميذه رشيد رضا قوله: «إنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها؛ يعني أنـهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم، ومن التجارب والأخبار في الحرب وغـيرها، وبما منحـوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى، ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها... وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل أنفع من العلم النظري المحض، وكذلك كانت علومهم كلها. ولما اختـلفت حـالة العصر اختـلافا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما، كانت محتاجة أيضا إلى تدوين هـذا العلم» [4] . [ ص: 59 ] لقد مضى على الحديث الشريف حين من الدهر كان منتهى الاعتناء به ترديد نصوصه وألفاظه دون فقهها وتدبرها. بل كانت بعض البلاد الإسلامية تلجأ لدفع عدوها الذي يريد استعمار أراضيها إلى قراءة صحيح البخاري في المساجد [5] .

                    - أمثلة من سنن الحديث

                    ليست هـذه وظيفة الحديث النبوي؛ أعني: أن يتلى فقط، بل إن النبي عليه السلام يرشد إلى وجوب احترام القوانين التي وضعها الله تعالى في الكون؛ فمن ذلك أنه حين كسفت الشمس واتفق أن مات ذلك اليوم ابنه إبراهيم، وربط الناس بين الأمرين ربطا سببيا، قال: ( إن الشـمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا، وادعوا الله ) [6] . لذلك جاء الحديث النبوي بعدد كبير من هـذه القوانين الجزئية التي قدر الله أن يسير عليها العالم، أذكر منها:

                    أ - سنة الحفاظ على النظام العام: فعن الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه أوشك أن يعمهم [ ص: 60 ] الله بعقابه ) [7] . قال المناوي : «أفاد الخبر أن من الذنوب ما يعجل الله عقوبته في الدنيا، ومنها ما يمهله إلى الآخرة. والسكوت عن المنكر يتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأمـوال والأنفس والثمرات وركوب الذل من الظلمة للخلق» [8] .

                    ب - سنة عاقبة الظلم والتفكك الاجتماعي ( عن أبي بكرة رفعه: «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تبارك وتعالى العقوبة لصاحبه في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) [9] .

                    ج- سنة فساد الأمم: ( روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان [ ص: 61 ] عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) [10] .

                    التالي السابق


                    الخدمات العلمية