الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        38408 - قال مالك : وإنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق ، أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه ، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس ، وإنما يلتمس الخلوة ، قال : فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة ، ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق ، هلكت الدماء ، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها ، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول ، يبدؤن بها فيها ليكف الناس عن الدم ، وليحذر القاتل أن يؤخذ في ذلك بقول المقتول .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        38409 - قال أبو عمر : السنة إذا ثبتت ، فهي عند جماعة العلماء عبادة ، يدنو العامل بها من رحمة ربه ، وينال المسلم بها درجة المؤمن المخلص ، والاعتلال لها ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا ، ألا ترى أن هذا الظن من مالك - رحمه الله - ليس بأصل عنده ، ولو كان أصلا عنده ، لقاس عليه أشباهه ويصدق الذي يدعي قطع الطريق على من زعم أنه سلبه ، وقتل وليه في الطريق ، لأن قاطع الطريق يلتمس الخلوة ، [ ص: 324 ] وكذلك السارق يلتمس الخلوة ، ويستتر لما يفعله جهرة .

                                                                                                                        38410 - وليس يقول أحد من المسلمين ، أن مدعي السرقة أو القطع في الطريق يحلف على دعواه ويأخذ بيمينه ما ادعاه .

                                                                                                                        38411 - وقد أجمع علماء المسلمين ، أنه من سلب في الموضع الذي ليس فيه أحد ، أنه لا يصدق في دعواه على من ادعى عليه .

                                                                                                                        38412 - إلا أن أصحابنا يقولون : إن المسلوبين إذا شهدوا على السالبين بعضهم لبعض ، قبلوا ، ولم يقبل أحد منهم لنفسه لما ادعى .

                                                                                                                        38413 - قال أبو عمر : وكذلك لا يصدق على من ادعى عليه أنه سرق منه في الموضع الحالي .

                                                                                                                        38414 - وقد يجترئ الناس على الأموال ، كما يجترءون على الدماء .

                                                                                                                        38415 - وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء .

                                                                                                                        38416 - وقوله : إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون فيها ، ليكف الناس عن الدماء ، فقد خالفه فيه من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل البينة على الأنصار ، واليمين على اليهود .

                                                                                                                        38417 - وقد تقدمت رواية من روى ذلك من الثقات العدول الأثبات .

                                                                                                                        38418 - وقد أنكر العلماء أيضا على مالك - رحمه الله - قوله : إن القسامة لا تجب إلا بقول المقتول : دمي عند فلان ، أو يأتي لوث يشهدون له ، وإن كان يؤخذ بهم حق ، لأن المقتول ووليه لم يدع على أحد ، قال : دمي عند فلان ، ولا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار يأتون بلوث .

                                                                                                                        [ ص: 325 ] 38419 - قالوا : فقد جعل مالك سنة ما ليس له مدخل في السنة ، وكذلك أنكروا عليه أيضا في هذا الباب قوله : الأمر المجتمع عليه عندنا ، والذي سمعت ممن أرضاه ، واجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث ، أن يبدأ المدعون في الأيمان في القسامة ، وأنها لا تجب إلا بأحد أمرين ، إما أن يقول المقتول : دمي عند فلان ، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة ، وإن لم تكن قاطعة .

                                                                                                                        38420 - قال : فكيف قال : اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث ، وابن شهاب يروي عن سليمان بن يسار وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن رجال من الأنصار ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ اليهود بالأيمان ؟

                                                                                                                        38421 - وسليمان بن يسار ، وأبو سلمة أثبت وأجل من بشير بن يسار .

                                                                                                                        38422 - وهذا الحديث وإن لم يكن من روايته فمن رواية عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار ، وعراك بن مالك ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال للجهيني الذي ادعى دم وليه على رجل من بني سعد بن ليث ، كان أجرى فرسه ، فوطئ على أصبع الجهيني ، فنزي منها فمات ، فقال عمر للذي ادعى عليهم : أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات ، فأبوا ، وتحرجوا ، فقال للمدعين : احلفوا ، فأبوا ، فقضى بشطر الدية على السعديين .

                                                                                                                        38423 - قالوا : فأي أئمة اجتمعت على ما قال ، ولم يروا فيما قال في ذلك ؟ ولا في قول المقتول : دمي عند فلان عن أحد من أئمة المدينة صاحب ، ولا تابع ولا [ ص: 326 ] أحد يعلم قوله ، مما يروى قوله .

                                                                                                                        38424 - وقد احتج أصحابنا لقوله : دمي عند فلان بقتيل بني إسرائيل إذ أحياه الله - عز وجل : قتلني فلان ، فقبل قوله .

                                                                                                                        38425 - وهذه غفلة شديدة أو شعوذة ، لأن الذي ذبحت البقرة من أجله ، وضرب ببعضها ، كانت فيه آية لا سبيل إليها اليوم ، فلا تصح إلا لنبي أو بحضرة نبي .

                                                                                                                        38426 - وقتيل بني إسرائيل لم يقسم عليه أحد بيمين واحدة ، ولا بخمسين .

                                                                                                                        38427 - ومالك لا يعطي أحدا بقوله : دمي عند فلان : شيئا ، دون قسامة خمسين يمينا وقد أجمع المسلمون ، أنه لا يعطى مدعي الدم شيئا دون قسامة وأجمعوا أن شريعة المسلمين وسنتهم في الدماء والأموال لا يقضى فيها بالدعاوى المجردة ، وأجمع العلماء ، أن قول المقتول عند موته : دمي عند فلان ، لو قال حينئذ : ولي عليه مع هذا ، أو على غيره درهم ، فما فوقه ، لم يقبل قوله في الدرهم ، ولم يحلف على قوله أحد من ورثته ، فيستحقه ، فأي سنة في قول المقتول : دمي عند فلان ؟ بل السنة المجتمع عليها بخلاف ذلك .

                                                                                                                        38428 - قال أبو عمر : وقد أنكرت طائفة من العلماء الحكم بالقسامة ، ودفعوها جملة واحدة ، ولم يقضوا بشيء منها .

                                                                                                                        38429 - وممن أنكرها ، سالم بن عبد الله بن عمر ، وأبو قلابة الجرمي ، [ ص: 327 ] وعمر بن عبد العزيز ، ورواية عن قتادة .

                                                                                                                        38430 - وهو قول مسلم بن خالد الزنجي ، وفقهاء أهل مكة .

                                                                                                                        38431 - وإليه ذهب ابن علية .

                                                                                                                        38432 - ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، قال : حدثني مولى لأبي قلابة ، قال : دخل عمر بن عبد العزيز على أبي قلابة ، وهو مريض ، فقال : ناشدتك بالله يا أبا قلابة ، لا تشمت بنا المنافقين . . ، فتحدثوا حتى ذكروا القسامة ، فقال أبو قلابة : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء أشراف أهل الشام ، ووجهم عندك : أرأيت أن لو شهدوا أن فلانا سرق بأرض كذا ، وهم عندك ، أكنت قاطعه ؟ قال : لا قال : فلو شهدوا أنه قد شرب خمرا بأرض كذا ، وهم عندك هاهنا ، أكنت حاده بقولهم ؟ قال : لا ، قال : فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك ، أقدته ؟ قال : فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة : إن أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله ، فأقده ، ولا تقبل شهادة واحد من الخمسين الذين أقسموا .

                                                                                                                        38433 - ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني إسماعيل بن علية ، عن حجاج بن أبي عثمان ، قال : حدثني أبو رجاء مولى أبي قلابة ، عن أبي قلابة ، أن عمر بن عبد العزيز ، أبرز سريره يوما للناس ، ثم أذن لهم فدخلوا عليه ، فقال : ما تقولون في القسامة ؟ فأضب القوم ، قالوا : نقول : القسامة القود بها حق ، قد أقاد بها الخلفاء ، فقال : ما تقول يا أبا قلابة وتفتي للناس ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين عندك [ ص: 328 ] أشراف العرب ، ورءوس الأجناد ، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه زنى ولم يروه ، أكنت ترجمه ؟ قال : لا ، قلت : أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن أنه سرق ، ولم يروه ، أكنت تقطعه ؟ قال : لا .

                                                                                                                        38434 - قال : وحدثني ابن علية ، عن يحيى ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : وقد تيسر قوم من بني ليث ليحلفوا في القسامة ، فقال سالم : يا آل عباد الله ! لقوم يحلفون على ما لم يروه ، ولم يحضروه ، ولم يشهدوه ، ولو كان لي أو إلي من الأمر شيء ، لعاقبتهم ، أو لنكلتهم ، أو لجعلتهم نكالا ، وما قبلت لهم شهادة .

                                                                                                                        38435 - قال أبو عمر : أما الذين دفعوا القسامة جملة ، وأنكروها ، ولم يقولوا بها ، فإنما ردوها بآرائهم لخلافها للسنة بخلاف هذه السنة المجتمع عليها عندهم " البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه المنكر " .

                                                                                                                        38436 - والاعتراض بهذا على رد القسامة فاسد ، لأن الذي سن البينة على المدعي ، واليمين على المنكر في الأموال ، هو الذي خص هذا المعنى في القسامة ، وبينه لأمته - صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        38437 - وكانت القسامة في الجاهلية خمسين يمينا على الدماء ، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصارت سنة ، بخلاف الأموال التي سن فيها يمينا واحدة .

                                                                                                                        38438 - والأصول لا يرد بعضها ببعض ، ولا يقاس بعضها على بعض ، بل [ ص: 329 ] يوضع كل واحد منها موضعه ، كالعرايا والمزابنة ، وكالمساقاة وكالقراض مع الإجارات ، ومثل هذا كثير ، وعلى المسلمين التسليم في كل ما سن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        38439 - ذكر عبد الرزاق : عن معمر ، عن الزهري ، قال : دعاني عمر بن عبد العزيز ، فقال : إني أريد أن أدع القسامة ، يأتي رجل من أرض كذا ، وآخر من أرض كذا ، فيحلفون ، فقلت له : ليس لك ذلك ، قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده ، وأنت إن تركتها ، أوشك رجل أن يقتل عند بابك ، فيطل دمه ، وإن للناس في القسامة حياة .




                                                                                                                        الخدمات العلمية