الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        37612 - قال مالك : الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه ، أن العبد إذا قتل كانت فيه القيمة يوم يقتل ، ولا تحمل عاقلة قاتله من قيمة العبد شيئا ، قل أو كثر ، وإنما ذلك على الذي أصابه في ماله خاصة ، بالغا ما بلغ ، وإن كانت قيمة العبد الدية [ ص: 188 ] أو أكثر ، فذلك عليه في ماله ، وذلك لأن العبد سلعة من السلع .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        37613 - قال أبو عمر : قد بين مالك بقوله : إن العبد سلعة من السلع ، ما هو حجة لمذهبه في أن قيمة العبد ، لا تحملها العاقلة ، لأن العاقلة لا تحمل شيئا من جنايات الأموال ، عند الجميع .

                                                                                                                        37614 - وقد قال بقول مالك في ذلك ، ابن أبي ليلى ، وعثمان البتي ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد ، والحسن بن حي ، وأبو يوسف في إحدى الروايتين عنه ، قالوا : قيمة العبد على الجاني في ماله خاصة .

                                                                                                                        37615 - وقد روي عن الشافعي مثل ذلك ، والأكثر الأشهر عن الشافعي ، وهوالظاهر من مذهبه ، أن العبد إذا قتل خطأ ، فقيمته ، على عاقلة قاتله ، في ثلاث سنين .

                                                                                                                        37616 - وهو قول أبي حنيفة ، وزفر ، ومحمد ، وأبي يوسف .

                                                                                                                        37617 - قال أبو عمر : قد ذكرنا فيما تقدم ، من كتابنا هذا ، عن الشعبي والقاسم ، أن العاقلة لا تكون عمدا ولا عبدا .

                                                                                                                        37618 - وقال إبراهيم : لا يعقل العبد ، ولا يعقل عنه .

                                                                                                                        37619 - وقال الحسن : إذا قتل الحر العبد خطأ ، فعليه الدية ، وعتق رقبة .

                                                                                                                        37620 - وقال مكحول : ليس على العاقلة ، من دية العبد شيء .

                                                                                                                        37621 - وأما الذي قالوا : إن قيمة العبد المقتول ، على عاقلة القاتل ، فمنهم عطاء ، والحكم ، وحماد ، والزهري .

                                                                                                                        [ ص: 189 ] 37622 - قال شعبة : سألت الحكم ، وحمادا ، عن رجل قتل دابة خطأ ؟ قالا : في ماله . قالا : وإن قتل عبدا ، فهو على العاقلة .

                                                                                                                        37623 - وقال يونس ، عن الزهري ، في حر قتل عبدا خطأ ، قال : قيمته على العاقلة .

                                                                                                                        37624 - قال أبو عمر : قد تقدم من قول الشافعي ، أن قياس العبد على الحر ، في النفس وما دونها أولى من قياسه على الأموال والبهائم .

                                                                                                                        37625 - وقد استحسن مالك الكفارة في قتل العبد ، ولم يستحسنها هو ، ولا أحد من العلماء في البهائم والأموال .

                                                                                                                        37626 - ولم يوجب مالك الكفارة في قتل العبد ، وقال : الكفارة التي في القرآن ، لأنه ذكر معها الدية ، وليس في قتل العبد دية .

                                                                                                                        37627 - قال : والكفارة في قتل العبد حسنة .

                                                                                                                        37628 - وقال الطحاوي - معترضا عليه - قد قال الله عز وجل : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) [ النساء : 92 ] .

                                                                                                                        37629 - فأوجب الكفارة بلا دية ، فعلمنا أن وجوب الكفارة غير مقصور على حال وجوب الدية .

                                                                                                                        37630 - قال أبو عمر : الكفارة في قتل العبد خطأ واجبة على قاتله ، عند الكوفيين ، والشافعي .

                                                                                                                        37631 - وأما قول مالك فإنما ذلك على الذي أصابه في ماله خاصة ، بالغا [ ص: 190 ] ما بلغ .

                                                                                                                        37632 - وإن كانت قيمة العبد أو أكثر ، فهو مذهب الشافعي ، وأبي يوسف .

                                                                                                                        37633 - وهو قول سعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، وشريح ، ومكحول ، وابن شهاب الزهري ، والحسن ، وابن سيرين كلهم قال ، في الرجل يقتل العبد خطأ ، قيمته عليه ، بالغا ما بلغت ، وإن زادت على دية الحر أضعافا .

                                                                                                                        37634 - وروي ذلك عن علي ، وابن مسعود - رضي الله عنه .

                                                                                                                        37635 - وقال أبو حنيفة ، وزفر ، ومحمد : إذا قتل العبد خطأ ، وقيمته أكثر من عشرة آلاف درهم لم يزد صاحبه على عشرة آلاف درهم .

                                                                                                                        37636 - وهو قول الحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان ، فهؤلاء يقولون : لا يزاد في قيمة العبد على دية الحر .

                                                                                                                        37637 - وقالت طائفة من فقهاء الكوفة : لا يبلغ به دية الحر ، ينقص منها شيء .

                                                                                                                        37638 - روي ذلك عن الشعبي ، وإبراهيم ، وقال سفيان الثوري : ينقص منه الدرهم ونحوه .

                                                                                                                        37639 - وقال غيره من الكوفيين : تنقص منها عشرة دراهم .

                                                                                                                        37640 - واحتج الطحاوي بأن قال : الرق حال نقص ، والحرية حال [ ص: 191 ] كمال وتمام ، فمحال أن يجب في حال نقصانه أكثر مما يجب في حال تمامه .

                                                                                                                        37641 - فمن هنا وجب ألا يجاوز بقيمة الدية .

                                                                                                                        37642 - قال أبو عمر : قد أجمعوا أنها قيمة ، لا دية ، فوجب أن يبلغ بها حيث بلغت ، كسائر القيم المستهلكات ، التي لا توقيف فيها ، والله أعلم .




                                                                                                                        الخدمات العلمية