الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا قال الرجل في مرضه لأمة إن كان أول ولد تلدينه غلاما فهو حر ، وإن كان أول ولد تلدينه جارية فأنت حرة فولدت غلاما وجارية لا تدري أيهما أول ثم مات من مرضه ، ولا مال له غيرهم ، وقيمة كل واحد منهم ثلثمائة فالابنة رقيق ويعتق الغلام نصفه من الثلث ، ونصفه بعتق الأم لأنا تيقنا برق الابنة كمال الشرط ثم الغلام يعتق على كل حال لأنها إن ولدت الغلام أولا فالغلام حر ، وإن ولدت الجارية أولا فالغلام حر أيضا تبعا للأم فلهذا يعتق كله ، والجارية تعتق في حال دون حال لأنها إن ولدت الغلام أولا فهي أمة ، وإن ولدت الجارية أولا فهي حرة فيعتق نصفها . طعن عيسى في هذا الجواب ، وقال : ينبغي أن لا يعتق شيء من الأم لأنه وقع الشك في شرط عتقها فإن شرط عتقها ولادة الجارية أولا ، وهذا مشكوك فيه ، وما لم يقع الشرط لا يترك شيء من الجزء .

( ألا ترى ) أنه لو قال : إن لم أدخل الدار اليوم فعبده حر فمضى اليوم ، ومات المولى ولا يدري أدخل أو لم يدخل لم يعتق العبد للشك فيما هو شرط . وإن كان الظاهر أنه لم يدخل ، ولكنا نقول ما ذكره في الكتاب صحيح فإن شرط عتقها ولادة الجارية ، وقد وجد ذلك ولكن كون ولادة الغلام سابقا مانع ، وهذا المانع [ ص: 183 ] مشكوك فيه فإنما هذا اعتبار الأحوال في المانع لا في الشرط فإن ولادة الجارية صارت ، وما لم يكن موجودا وأعلم وجوده كان أولا ما لم يعلم تقدم غيره عليه ، فإذا كانت هذه المقالة في مرضه يسعى الغلام في نصف سدس قيمته ، وتسعى الأم في ثلاثة أسداس ، ونصف سدس قيمتها لأن نصف رقبة الغلام لا يعد مالا للمولى فإن العتق فيه تبع الأم فإنما مال الميت رقبتان ونصف ثم الغلام بنصف رقبة ، وكذلك الأم تضرب بنصف رقبتها فإن وصية كل واحد منهما هذا المقدار فكان الثلث بينهما على سهمين والثلثان أربعة فتكون جملته ستة والمال رقبتان ونصف فقد انكسر بالإنصاف فأضعفه فيكون خمسة ثم ستة على خمسة لا يستقيم ، فتضرب ستة في خمسة فتكون ثلاثين فصارت كل رقبة على اثني عشر ونصف الرقبة ستة ، فأما العبد فقد عتق منه نصفه تبعا للأم ، ويسلم له في النصف الباقي خمسة لأنه كان حقه في سهم ، وقد ضربناه في خمسة فإنما يبقى عليه السعاية في سهم بالاثني عشر ، وذلك نصف سدس قيمته ، والأم صارت رقبتها على اثني عشر سهم لها من ذلك خمسة ، وذلك سدسان ونصف سدس فعليها السعاية في ثلاثة أسداس ونصف سدس .

فإن مات الغلام قبل أن يؤدي شيئا سعت الأم في ثلاثة أخماس قيمتها لأن الغلام مات مستوفيا لوصيته ، وتوى ما عليه من السعاية فإنما مال الميت رقبة الأم والابنة ، يضرب الورثة في ذلك بأربعة والأم بسهم فيكون أخماسا ، ولكن إذا قسمت خمسة على رقبتين كان كل رقبة سهمين ونصفا فأضعف فيكون كل رقبة على خمسة فإنما يسلم للأم من رقبتين سهمان من خمسة ، وتسعى في ثلاثة أخماس قيمتها ، ولو ماتت الأم وبقي الغلام سعى الغلام في قول أبي حنيفة رحمه الله في جميع ما كان على أمه ، وعليه بمنزلة العبد ما لم يؤد جميع ذلك لأن المستسعى عنده بمنزلة المكاتب فالنصف الذي هو تبع الأم من الغلام لا يعتق إلا بعتق الأم فهو محتاج إلى أداء سعاية الأم ليستند العتق في ذلك النصف ، فلهذا في جميع ما على أمه كولد المكاتب بعد موت الأم ، وعلى قولهما ليس عليه أن يسعى فيما على أمه لأن المستسعى عندهما حر عليه دين ، وليس على ولد الحرة سعاية في دين أمه ، ولكن عليه أن يسعى في خمسي نصف قيمة نفسه لأن الأم ماتت مستوفية لوصيتها ، ويعاد ما عليها من السعاية ، وإنما مال الميت نصف رقبة الغلام مع رقبة الابنة يضرب الورثة في ذلك بأربعة والغلام بسهم فيكون خمسة ، وقسمه رقبة ونصف على خمسة لا تستقيم فالسبيل أن يضعف رقبة ونصفا فيكون ثلاثة ثم تضرب ذلك في خمسة فتكون خمسة عشر للابنة من ذلك عشرة ، ونصف رقبة الغلام خمسة يسلم له [ ص: 184 ] من ذلك ثلاثة لأنه كان حقه في سهم ضربناه في ثلاثة فإنما يجب عليه السعاية في خمسي نصف رقبته .

التالي السابق


الخدمات العلمية