الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              التنبيه السابع :

                                                                                                                                                                                                                              في الكلام على البراق ، وهو بضم الموحدة وتخفيف الراء مشتق من البريق فقد جاء في لونه أنه أبيض أو من البرق لأنه وصف بسرعة السير أو من قولهم : شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سوداء ، ولا ينافيه وصفه في الحديث بالبياض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البيض . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والحارث : «أبرقوا فإن دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين» ، فجعل البرقاء مقابلة السوداوين تفضيلا للبياض ، فلهذا يكون البراق أفضل الألوان ويجوز أن يجمع بين المعنيين فيسمى براقا للونه ولسرعة مسيره فيكون ذلك من قبيل مجملي اللفظ المشترك دفعة واحدة في اللفظ ويحتمل ألا يكون مشتقا .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن أبي جمرة : وإنما كان ركوب النبي صلى الله عليه وسلم على البراق إشارة إلى أن الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحدا ملكه بخلاف جنسه من الدواب . قال : والقدرة صالحة لأن يصعد بنفسه بغير براق ، لكن كان البراق بشارة له في تشريفه ، لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماش ، والراكب خلاف الماشي . وقال ابن دحية : ربما مزج خرق العادة بالعادة تأنيسا ، وقد كان الحق قادرا على أن يرفع نبيه صلى الله عليه وسلم بدون البراق ، ولكن الركوب وصفة المركوب المعتاد تأنيس في هذا المقام العظيم بطرف من العادة ، ولعل الإسراء بالبراق إظهار للكرامة العرفية ، فإن الملك العظيم إذا استدعى وليا له وخصيصا به ، وأشخصه إليه بعث إليه بمركوب سني ، يحمله عليه في وفادته إليه . ولم يكن البراق بشكل الفرس ولكنه بشكل البغل وكان ذلك- والله تعالى أعلم- للإشارة إلى أن الركوب في سلم وأمن لا في حرب وخوف ، أو لإظهار المعجزة في الإسراع العجيب من دابة ما يوصف شكلها بالإسراع الشديد عادة .

                                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : فقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم البغلة في الحرب ، فالجواب : كان ذلك لتحقيق نبوته [ ص: 102 ]

                                                                                                                                                                                                                              عليه الصلاة والسلام في مواطن الضرب والطعن والانتشاب في نحر العدو ، ولما كان الله تعالى خصه بمزيد من الشجاعة والقوة . وإلا فالبغال عادة من ركوب الطمأنينة والأمنة ، فبين أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس ، وثقة وتوكل . وركبت الملائكة في الحرب على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات . ولطف شكل البراق لما وصفه ، عن شكل البغل ، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن من المطهمات منها ، وذلك بخلاف الخيل .

                                                                                                                                                                                                                              ولم يسم الله سبحانه وتعالى سير البراق برسوله صلى الله عليه وسلم طيرانا ، وإنما سماه بما يسمى به السير المعتاد وسير الليل عند العرب سرى ، فيؤخذ من هذا أن الولي إذا طويت له الأرض البعيدة في الساعة الواحدة يتناوله اسم المسافر ، ويشمله أحكام السفر باعتبار القصر والفطر .

                                                                                                                                                                                                                              وإنما لم يذكر البراق في الرجوع لأن ذلك معلوم بذكره في الصعود ، كقوله تعالى : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر [النحل : 81] يعني والبرد .

                                                                                                                                                                                                                              قال في فتح الصفا : فإن قيل : هلا كان الإسراء على أجنحة الملائكة والريح كما كانت تحمل سليمان عليه الصلاة والسلام أو الخطوة كطي الزمان؟ قلت المراد اطلاعه على الآيات الخارقة للعادة ، وما يتضمن أمرا عجيبا ، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح بالنسبة إلى قطعة هذه المسافة ، بخلاف قطعها على دابة في هذا الحجم المحكي عن صفتها ، ووقع من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حمله على أجنحتها فقط . فقد أخذ جبريل بركابه وميكائيل بزمام البراق ، وهما من أكابر الملائكة ، فاجتمع له صلى الله عليه وسلم حمل البراق ، وما هو كحمل البراق من الملائكة وهذا أتم في الشرف .

                                                                                                                                                                                                                              واختلفت الأقاويل في صفته ، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكر . وقال صاحب الاحتفال : إنه دون البغل وفوق الحمار ، وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال . وقال غيره : جسده كجسد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء . له جناحان في فخذيه وهذا كله لم يصح منه شيء ، وما ذكره عن ابن عباس أمثلها ، ولعل السر في كونهما في فخذيه لثقل مؤخر الدابة ، أو لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة ، أو لأجل الراكب ، لأنهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا تحت فخذي الراكب أو فوقهما ، ويحصل له من ذلك مشقة بضمهما ونشرهما خصوصا مع السرعة العظيمة . [ ص: 103 ]

                                                                                                                                                                                                                              وفي بعض الآثار أنه ليس بذكر ولا أنثى ، فاقتضى ذلك أن يكون مفردا بالخلق بهذه الصفة من غير توليد ، وقد قال تعالى : ومن كل شيء خلقنا زوجين [الذاريات : 49] ونقل الشيخ سعد الدين إن الملائكة الكرام لا ذكور ولا إناث إلى آخر ما ذكره . وفي أثر آخر أن جبريل خاطبه خطاب المؤنث .

                                                                                                                                                                                                                              واختلف في الحكمة في استصعاب البراق ، فقال ابن بطال : إنما استصعب عليه لبعده بركوب الأنبياء قبله ، ويؤيده ما في المبتدأ لابن إسحاق رواية وثيمة بن موسى في ذكر الإسراء ، «فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي» وكانت بعيدة العهد بركوبهم فلم تكن ركبت في الفترة .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن دحية وابن المنير : «إنما استصعب تيها وزهوا بركوب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد جبريل بقوله : أبمحمد تستصعب؟ استنطاقه بلسان الحال إذ إنه لم يقصد الصعوبة ، وإنما تاه بركوب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال : فارفض عرقا ، فكأنه أجاب بلسان الحال ، فبرئ من الاستصعاب ، وعرق من خجل العتاب ، وذلك قريب من رجفة الجبل به حتى قال : اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد ، فإنها هزة طرب لا هزة غضب ، كما سيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في المعجزات . قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي رحمه الله تعالى : ولا يبعد أن يقال إنما كان استصعابه فرقا من هيبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية