الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب القول في إيمان المقلد والمرتاب

المقلد : من تدين ما تدين ؛ لأنه دين آبائه وقرابته ، وأهل بلده ، وليس عنده وراء ذلك حجة يأوي إليها .

والمرتاب : من يقول : اعتقدت الإسلام ، وتابعت أهله احتياطا لنفسي ، فإن كان حقا فقد فزت ، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني وواحد من هذين ليس بمسلم " .

وبسط الحليمي - رحمه الله تعالى - فيه الكلام ، قال : " والمؤمن الذي ليس بمقلد رجلان :

أحدهما : الذي عرف الله - تعالى جده - بالدلائل ، والحجج معرفة تامة لا شك معها ، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجج الدالة على صدقه ، ثم اعترف بالله ورسوله ، وقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده ، وأسلم نفسه بالطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه .

والآخر من يؤمن بالله إجابة لدعوة نبيه بعد قيام الحجة على نبوته - وبسط الكلام فيه إلى أن قال - ثم ينظر فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت الله - تعالى جده - إلا أنه يلحد في أسمائه وصفاته كان إيمانه الحادث ترك ذلك الإلحاد لما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه إليه .

وإن كان قبل ذلك لا يدين دينا ويرى أن لا صانع للعالم ، وأنه لم يزل على ما هو عليه الآن ، فوجه إيمانه بالله لدعوة نبيه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن للعالم إلها واحدا لم يزل ، ولا يزال ، ولا يشبه شيئا قادرا لا يعجزه شيء عالما ، حكيما كان ولا شيء غيره ، وأبدع كل موجود سواه ، واخترعه اختراعا لا من أصل ، وأنه أرسله إلى الناس ليعرفه إليهم وينبههم على آثار خلقه التي يرونها ، ويغفلون عنها ويدعوهم إلى طاعته ، وعبادته ، [ ص: 178 ] وأن دلالته على صدقه هي ما أيده به من كذا وكذا مما لا يستطيع الناس ، - وإن تظاهروا - أن يأتوا بمثله ، وإنه إذا كان واحد من الناس يجمعه وإياهم البشرية ، ثم يجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء ، وكان ما عدا هذا - الذي يذكر أنه أمد به ليكون دلالة على صدقه - لا يباين فيه أحدا من الناس ، ويحتاج من الطعام والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه ، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على مثل ما يقدرون عليه ، ويعجز عما يعجزون عنه وجب أن يعلموا أنه من فضل هذا الذي اختص به مما هو خارج عن قضية العادات عاجز مثلهم ، وإنه وإن كان عاجزا عنه ، وقد وجد به وظهر على يده حق أنه ليس من صنعه ، ولكن من صنع غيره ، ولا جائز أن يكون ذلك الغير من جنسه أو مثله أو في القدرة نظيره إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه .

وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع لا يفعل الأشياء بمثل القوة ، والقدرة التي بها يصنع الصناع المشاهدون ، وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم ، فكذلك هو غير مشبه إياهم ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم فانتظمت حجته هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به ، وإثبات رسالته من عنده فمن استسلم لحجته وصدقه في جميع قوله ، وآمن بجملة دعوته كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد .

فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه وهذا إجابة بحجة ، ومن هذا الوجه كان إيمان عامة المستجيبين للأنبياء ، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم . ثم قد كان فيهم من تنبه بعد فرأى ونظر وبحث ، فبصره الله من الدلائل ما شد به أزره ، وعصم دينه ، وقوى يقينه ، وطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين ، ويجادل به أعداءه ، وينتصب به للدفع عنه " . [ ص: 179 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية