الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                      فِي الْإِحْلَالِ قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، اسْتَخْلَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا رَجُلًا فَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا ، أَيَكُونُ هَذَا النِّكَاحُ إحْصَانًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا ؟ قَالَ : لَا يَكُونُ إحْصَانًا . قُلْتُ : فَهَلْ يُحِلُّهَا وَطْءُ هَذَا الزَّوْجِ لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : لَا ، إذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَكُونُ الْإِحْصَانُ إلَّا فِي نِكَاحٍ لَا يُفَرِّقُ فِيهِ الْوَلِيُّ مَعَ وَطْءٍ يَحِلُّ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَلِيُّ أَوْ السُّلْطَانُ ، فَيَطَؤُهَا بَعْدَ إجَازَتِهِ فَيَكُونُ إحْصَانًا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إذَا وَطِئَ قَبْلَ إجَازَةِ السَّيِّدِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِحْصَانٍ ، وَلَا تَحِلُّ لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَ السَّيِّدُ فَيَطَؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ إحْصَانًا وَتَحِلُّ بِذَلِكَ لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ ، فَكَذَلِكَ الَّتِي تُنْكَحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَهُوَ مَا لَوْ أَرَادَ السُّلْطَانُ أَنْ يَفْسَخَهُ فَسَخَهُ أَوْ الْوَلِيُّ لَمْ يَكُنْ إحْصَانًا وَلَمْ تَحِلَّ لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ بِهَذَا النِّكَاحِ وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ . قُلْتُ : فَهَلْ يُحِلُّهَا وَطْءُ الصَّبِيِّ لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ إذَا جَامَعَهَا قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يُحِلُّهَا وَطْءُ الصَّبِيِّ لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ إذَا جَامَعَهَا ; لِأَنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِوَطْءٍ ، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي أَيْضًا لَوْ أَنَّ كَبِيرَةً زَنَتْ بِصَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا يَكُونُ وَطْؤُهُ إحْصَانًا وَإِنَّمَا يُحْصِنُ مِنْ الْوَطْءِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ . قُلْتُ : أَرَأَيْتَ الْمَجْنُونَ وَالْخَصِيَّ الْقَائِمَ الذَّكَرِ هَلْ تَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِجِمَاعِهِمَا لِزَوْجٍ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَهُمَا ثَلَاثًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فِي رَأْيِي ; لِأَنَّ هَذَا وَطْءٌ كَبِيرٌ . قُلْتُ : أَرَأَيْتَ الْمَجْبُوبَ هَلْ يَحِلُّهَا لِزَوْجٍ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ؟ قَالَ : لَا ; لِأَنَّهُ لَا يُجَامِعُ . قُلْتُ : أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّةَ إذَا تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ آخَرَ مِنْ بَعْدِهِ وَمِثْلُهَا يُوطَأُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ، فَوَطِئَهَا الثَّانِي فَطَلَّقَهَا أَيْضًا أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِوَطْءِ هَذَا الثَّانِي وَإِنَّمَا وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . قُلْتُ : أَرَأَيْتَ مَا لَا تَجْعَلُهَا بِهِ مُحْصَنَةً هَلْ تُحِلُّهَا بِذَلِكَ الْوَطْءِ وَذَلِكَ النِّكَاحِ لِزَوْجٍ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : لَا وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِحْصَانِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ وَكُلِّ نِكَاحٍ كَانَ حَرَامًا : يُفْسَخُ وَلَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ أَهْلُهُ ، مِثْلُ الْمَرْأَةِ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَالْأَمَةُ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَالرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، أَوْ يَتَزَوَّجُ أُخْتَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَيَدْخُلُ بِهَا ، أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّهَا بِذَلِكَ الْوَطْءِ لِزَوْجٍ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْوَطْءُ وَلَا ذَلِكَ النِّكَاحُ إحْصَانًا وَهُوَ رَأْيِي . قُلْتُ : أَرَأَيْت كُلَّ نِكَاحٍ يَكُونُ لِلْأَوْلِيَاءِ إنْ شَاءُوا أَثْبَتُوهُ وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوهُ ، وَإِلَى الْمَرْأَةِ إنْ شَاءَتْ رَضِيَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَسَخَتْ النِّكَاحَ ، مِثْلُ الْمَرْأَةِ تَتَزَوَّجُ الرَّجُلَ وَهُوَ عَبْدٌ لَا تَعْلَمُ بِهِ وَالرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَهِيَ جَذْمَاءُ أَوْ بَرْصَاءُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ حَتَّى وَطِئَهَا فَاخْتَارَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاقَ الْعَبْدِ وَاخْتَارَ الرَّجُلُ فِرَاقَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، أَيَكُونُ هَذَا النِّكَاحُ وَالْوَطْءُ مِمَّا يُحِلُّهَا لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ ؟ قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ تَنْكِحُ الرَّجُلَ وَهُوَ عَبْدٌ لَا تَعْلَمُ بِهِ ثُمَّ عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَمَا وَطِئَهَا فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ إنَّ ذَلِكَ الْوَطْءَ لَا يُحِلُّهَا لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ مَسَائِلُك كُلُّهَا . قُلْتُ : وَهَلْ تَكُونُ بِذَلِكَ الْوَطْءِ مُحْصَنَةً هَذِهِ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ : لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً بِهِ فِي رَأْيِي ، وَقَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً إلَّا بِالنِّكَاحِ الَّذِي لَيْسَ إلَى أَحَدٍ فَسْخُهُ ، فَهَذَا يُجْزِئُكَ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا فَوَطِئَهَا وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ فَارَقَهَا لَمْ تَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا تَكُونُ بِمِثْلِ هَذَا مُحْصَنَةً ، وَكَذَلِكَ الَّذِي تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي رَمَضَانَ ، فَيَطَؤُهَا نَهَارًا أَوْ يَتَزَوَّجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ أَوْ هُوَ مُحْرِمٌ فَيَطَؤُهَا ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا يُحِلُّ لِزَوْجٍ كَانَ طَلَّقَهَا وَلَا يَكُونَانِ بِهِ مُحْصَنَيْنِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَطْءٍ نَهَى اللَّهُ مِثْلُ وَطْءِ الْمُعْتَكِفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ وَهُوَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ فَلَا يَكُونُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ يُحِلُّ مَا أَمَرَ بِهِ . يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ إحْصَانٌ حَتَّى يَتَزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِامْرَأَتِهِ ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا . قَالَ رَبِيعَةُ : الْإِحْصَانُ الْإِسْلَامُ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَحْصَنَهُنَّ إلَّا بِمَا أَحَلَّهُنَّ بِهِ ، وَالْإِحْصَانُ مِنْ الْحُرَّةِ أَنَّ لَهَا مَهْرَهَا وَبُضْعَهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بِهِ ، وَالْإِحْصَانُ أَنْ يَمْلِكَ بُضْعَهَا عَلَيْهَا زَوْجُهَا وَأَنْ تَأْخُذَ مَهْرَهَا ذَلِكَ الَّذِي اسْتَحَلَّ ذَلِكَ مِنْهَا بِهِ إنْ كَانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ أَوْ تَأَيَّمَتْ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنْ تُنْكَحَ وَتُوطَأَ . يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الَّذِي يَتَسَرَّرُ الْأَمَةَ حِينَ يَأْتِي بِفَاحِشَةٍ الرَّجْمُ وَلَكِنْ عَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ . يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : تَرَى الْإِحْصَانَ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ مَسَّهَا أَنَّ عَلَيْهِ الرَّجْمَ إنْ زَنَى .

                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية