الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ الطَّوَافُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَفِي الْخَبَرِ : " مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا حَافِيًا حَاسِرًا كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وَمَنْ طَافَ أُسْبُوعًا فِي الْمَطَرِ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَيُقَالُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا غَفَرَ لِعَبْدٍ ذَنْبًا فِي الْمَوْقِفِ غَفَرَهُ لِكُلِّ مَنْ أَصَابَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ جُمْعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ عَرَفَةَ وَهُوَ أَفْضَلُ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا وَفِيهِ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ وَاقِفًا إِذْ نَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْنَا لَجَعَلَنَاهَا يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَشْهَدُ لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ جُمْعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ وَيُرْوَى " أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوَفَّقٍ حَجَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَجًا قَالَ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي : يَا ابْنَ مُوَفَّقٍ حَجَجْتَ عَنِّي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : وَلَبَّيْتَ عَنِّي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي أُكَافِئُكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخُذُ بِيَدِكَ فِي الْمَوْقِفِ فَأُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ وَالْخَلَائِقُ فِي كَرْبِ الْحِسَابِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْحُجَّاجَ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ تَلَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَسَلَّمُوا عَلَى رُكْبَانِ الْإِبِلِ وَصَافَحُوا رُكْبَانَ الْحُمُرِ وَاعْتَنَقُوا الْمُشَاةَ اعْتِنَاقًا . وَقَالَ الْحَسَنُ مَنْ مَاتَ عَقِيبَ رَمَضَانَ أَوْ عَقِيبَ غَزْوٍ أَوْ عَقِيبَ حَجٍّ مَاتَ شَهِيدًا . وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْحَاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ وَلِمَنْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . وَقَدْ كَانَ مِنْ سُنَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنْ يُشَيِّعُوا الْغُزَاةَ وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْحَاجَّ وَيُقَبِّلُوا بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ وَيَسْأَلُوهُمُ الدُّعَاءَ وَيُبَادِرُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَدَنَّسُوا بِالْآثَامِ . وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوَفَّقٍ قَالَ : حَجَجْتُ سَنَةً فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ نِمْتُ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخِيفِ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ قَدْ نَزَلَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ خُضْرٌ فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ الْآخَرُ : لَبَّيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ تَدْرِي : كَمْ حَجَّ بَيْتَ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي قَالَ : حَجَّ بَيْتَ رَبِّنَا سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ أَفَتُدْرِي : كَمْ قُبِلَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : سِتَّةُ أَنْفُسٍ قَالَ : ثُمَّ ارْتَفَعَا فِي الْهَوَاءِ فَغَابَا عَنِّي فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا : وَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا وَأَهَمَّنِي أَمْرِي فَقُلْتُ : إِذَا قُبِلَ حَجُّ سِتَّةِ أَنْفُسٍ فَأَيْنَ أَكُونُ أَنَا فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ ؟ فَلَمَّا أَفَضْتُ مِنْ عَرَفَةَ قُمْتُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ فِي كَثْرَةِ الْخَلْقِ وَفِي قِلَّةِ مَنْ قُبِلَ مِنْهُمْ فَحَمَلَنِي النَّوْمُ فَإِذَا الشَّخْصَانِ قَدْ نَزَلَا عَلَى هَيْئَتِهِمَا فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَعَادَ الْكَلَامَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرِي مَاذَا حَكَمَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَإِنَّهُ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السِّتَّةِ مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ : فَانْتَبَهْتُ وَبِي مِنَ السُّرُورِ مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ . وَعَنْهُ أَيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : حَجَجْتُ سَنَةً فَلَمَّا قَضَيْتُ مَنَاسِكِي تَفَكَّرْتُ فِيمَنْ لَا يُقْبَلُ حَجُّهُ فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ حَجَّتِي وَجَعَلْتُ ثَوَابَهَا لِمَنْ لَمْ تُقْبَلْ حَجَّتُهُ قَالَ فَرَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي النَّوْمِ جَلَّ جَلَالُهُ فَقَالَ لِي : يَا عَلِيُّ تَتَسَخَّى عَلَيَّ وَأَنَا خَلَقْتُ السَّخَاءَ وَالْأَسْخِيَاءَ وَأَنَا أَجْوَدُ الْأَجْوَدِينَ وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَأَحَقُّ بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ مِنَ الْعَالَمِينَ قَدْ وَهَبْتُ كُلَّ مَنْ لَمْ أَقْبَلْ حَجَّهُ لِمَنْ قَبِلْتُهُ . إتحاف السادة المتقين (وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ الطَّوَافُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ) وَلِذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَرِّجَ الْقَادِمُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ قَبْلَهُ (وَفِي الْخَبَرِ : "مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا حَافِيًا) أَيْ بِلَا نَعْلَيْنِ (حَاسِرًا) أَيْ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ (كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وَمَنْ طَافَ أُسْبُوعًا فِي الْمَطَرِ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ ") أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ وَقَالَ : رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : وَرَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . أَهَـ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : "مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ . . أَهَـ . قُلْتُ : وَقَالَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ : حَدِيثُ الطَّوَافِ فِي الْمَطَرِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ بِالْمَعْنَى . . أَهَـ . قُلْتُ : وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي عِقَالٍ قَالَ : طُفْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي مَطَرٍ ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الطَّوَافَ أَتَيْنَا الْمَقَامَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ لَنَا أَنَسٌ : ائْتَنِفُوا الْعَمَلَ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ ، هَكَذَا قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طُفْنَا مَعَهُ فِي مَطَرٍ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ : طُفْتُ مَعَ أَبِي عِقَالٍ فَسَاقَهُ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْجُنْدِيُّ وَأَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : أَبُو عِقَالٍ رَوَى عَنْ أَنَسٍ : اسْتَأْنِفُوا مَوْضُوعَةً مَا حَدَّثَ بِهَا أَنَسٌ قَطُّ ، وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بِحَالٍ . . أَهَـ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَفِيهِ زِيَادَةُ : "لَا يَضَعُ وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً " وَرَوَاهُ كَذَلِكَ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : "مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ : "مَنْ طَافَ بِحِذَاءِ الْبَيْتِ أُسْبُوعًا يُحْصِيهِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ وَكُفِّرَتْ عَنْهُ سَيِّئَةٌ وَرُفِعَتْ لَهُ دَرَجَةٌ وَكَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " وَعِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ : "مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَأَحْصَاهُ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ نَفِيسَةٍ مِنَ الرِّقَابِ " . (وَيُقَالُ إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا غَفَرَ ذَنْبَ الْعَبْدِ فِي الْمَوْقِفِ غَفَرَ ذَلِكَ الذَّنْبَ لِكُلِّ مَنْ أَصَابَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : وَيُقَالُ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا غَفَرَ لِعَبْدٍ ذَنْبًا فِي الْمَوْقِفِ غَفَرَهُ لِكُلِّ مَا أَصَابَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ (وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : وَزَعَمَ بَعْضُ السَّلَفِ : (إِذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ جُمْعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ عَرَفَةَ ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : لِكُلِّ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَقَدْ أَسْنَدَهُ رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيُّ فِي تَجْرِيدِ الصِّحَاحِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَرَزِينٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَافَقَ يَوْمَ جُمْعَةٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةٍ " قَالَ : وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُوَطَّأِ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ ، فَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُوَطَّآتِ (وَهُوَ أَفْضَلُ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا وَفِيهِ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ) سَنَةَ عَشْرٍ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ نُزُولِ فَرْضِ الْحَجِّ غَيْرَهَا كَذَا فِي الْقُوتِ ، وَعَاشَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهَا ثَمَانِينَ يَوْمًا (وَكَانَ وَاقِفًا) عَلَى رَاحِلَتِهِ (إِذْ نَزَلَ) عَلَيْهِ (قَوْلُهُ تَعَالَى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : أَيْ : بِالنَّصْرِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا أَوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى أُصُولِ الشَّرَائِعِ وَقَوَانِينِ الِاجْتِهَادِ ( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) أَيْ : بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ أَوْ بِإِكْمَالِ الدِّينِ أَوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَهَدْمِ مَنَارِ الْجَاهِلِيَّةِ ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ ) أَيِ : اخْتَرْتُ لَكُمْ ( دِينًا ) بَيِّنًا بَيْنَ الْأَدْيَانِ وَهُوَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : وَقَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ : (لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةُ لَجَعَلَنَاهَا يَوْمَ عِيدٍ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : يَوْمَهَا عِيدًا (فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَشْهَدُ لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ جُمْعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) هَكَذَا فِي الْقُوتِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَاحِ أَنَّهُ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْفٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعَاشِرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا قَالَ : أَيُّ آيَةٍ قَالَ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا قَالَ عُمَرُ : لَقَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمْعَةٍ قَالَ الْحَافِظُ : وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَمَا قَالَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَغَيْرُهُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ الْحَدِيثَ . وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا لِيُطَابِقَ جَوَابُهُ السُّؤَالَ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النُّزُولَ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْعِيدُ إِلَّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِيَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ عِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : جَعَلْنَاهُ عِيدًا بَعْدَ إِدْرَاكِنَا اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ ، وَقَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ اكْتُفِيَ فِيهَا بِالْإِشَارَةِ ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ قَبِيصَةَ نَصٌّ عَلَى الْمُرَادِ ، وَلَفْظُهُ : يَوْمَ جُمْعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَكَلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ : وَهُمَا لَنَا عِيدٌ ، فَظَهَرَ أَنَّ الْجَوَابَ تَضَمَّنَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا ، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودَ يَوْمَ عَرَفَةَ عِيدًا لِأَنَّهُ لَيْلَةُ الْعِيدِ . . أَهَـ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ فَضِيلَتَانِ وَشَرَفَانِ ، وَمَعْلُومٌ تَعْظِيمُنَا كُلًّا مِنْهُمَا ، فَإِذَا اجْتَمَعَا زَادَ التَّعْظِيمُ ، فَقَدِ اتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا وَعَظَّمْنَا مَكَانَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ ") . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . . أَهَـ . قُلْتُ : وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهِ شَرِيكًا الْقَاضِيَ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ مُسْلِمٌ إِلَّا فِي الْمُتَابَعَاتِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ كَذَلِكَ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ؛ فَيَتَأَكَّدُ طَلَبُ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الْحَاجِّ لِيَدْخُلَ فِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَظَاهِرُهُ طَلَبُ نَدْبِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي قَوْلِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ غَايَةَ طَلَبِهِ إِلَى عِشْرِينَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ بْنُ رَجَبٍ : فَإِنْ تَأَخَّرَ وُصُولُهُ إِلَى وَطَنِهِ فَإِلَى وُصُولِهِ (وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ قَدْ (حَجَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجِيجًا قَالَ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي : يَا ابْنَ الْمُوَفَّقِ حَجَجْتَ عَنِّي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ) يَا رَسُولَ اللَّهِ (قَالَ : وَلَبَّيْتَ عَنِّي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي أُكَافِئُكَ بِهَا) وَلَفْظُ الْقُوتِ : فَهَذِهِ يَدٌ لَكَ عِنْدِي أُكَافِئُكَ بِهَا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخُذُ بِيَدِكَ فِي الْمَوْقِفِ فَأُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ وَالْخَلَائِقُ فِي رَكْبِ الْحِسَابِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : وَرُوِينَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ (أَنَّ الْحَاجَّ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ تَلَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَسَلَّمُوا عَلَى رُكْبَانِ الْإِبِلِ وَصَافَحُوا رُكْبَانَ الْحُمُرِ) جَمْعُ حَمِيرٍ (وَاعْتَنَقُوا الْمُشَاةَ) عَلَى أَرْجُلِهِمْ (اعْتِنَاقًا) كَذَا فِي الْقُوتِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "مُثِيرِ الْعَزْمِ " عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَاجِّ وَتَعْتَنِقُ الْمُشَاةَ " (وَقَالَ الْحَسَنُ) الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : (مَنْ مَاتَ عَقِيبَ رَمَضَانَ أَوْ عَقِيبَ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ مَاتَ شَهِيدًا) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : بِعَقِبِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ بِعَقِبِ غَزْوٍ أَوْ بِعَقِبِ حَجٍّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : عَقِيبَ عُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ أَوْ غَزْوَةٍ (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْحَاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ وَلِمَنْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) كَذَا فِي الْقُوتِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : "شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ " مِنْ غَيْرِ كَلِمَةِ "فِي " وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَاغْتَرَّ بِهِ الْمَنَاوِيُّ فَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ هَكَذَا نَقْلًا عَنِ الْكِتَابِ ، وَهُوَ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ، وَتَقَدَّمَ عَنِ الْحَافِظِ بْنِ رَجَبٍ أَنَّهُ إِذَا تَأَخَّرَ وُصُولُهُ إِلَى وَطَنِهِ عَنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَإِلَى وُصُولِهِ . رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : "إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَصَافِحْهُ وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ " وَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ (وَقَدْ كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْخَلَفِ) رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى (أَنْ يُشَيِّعُوا الْغُزَاةَ) أَيْ : يَمْشُونَ مَعَهُمْ لِلتَّوْدِيعِ (وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْحَاجَّ) إِذَا قَدِمُوا (وَيُقَبِّلُوا بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ وَيَسْأَلُونَهُمُ الدُّعَاءَ لَهُمْ) كَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ (وَيُبَادِرُوا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَدَنَّسُوا بِالْآثَامِ) وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِلَفْظِ : كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْحَاجَّ يَدْعُونَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَدَنَّسُوا وَيَقُولُونَ : تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ . (وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ) الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ . وَلَفْظُ الْقُوتِ : وَحَدَّثُونَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ (أَنَّهُ قَالَ : حَجَجْتُ سَنَةً فَلَمَّا كَانَ) وَلَفْظُ الْقُوتِ كَانَتْ (لَيْلَةَ عَرَفَةَ بَتُّ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخِيفِ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ قَدْ نَزَلَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ خُضْرٌ فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ الْآخَرُ : لَبَّيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ : أَتَدْرِي كَمْ حَجَّ بَيْتَ رَبِّنَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي قَالَ : حَجَّ بَيْتَ رَبِّنَا سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ : فَتَدْرِي كَمْ قُبِلَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : لَا) أَدْرِي (قَالَ : قُبِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَنْفُسٍ قَالَ : ثُمَّ ارْتَفَعَا فِي الْهَوَاءِ فَغَابَا عَلَيَّ فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا أَيْ : خَائِفًا وَاغْتَمَمْتُ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : فَاغْتَمَمْتُ (غَمًّا شَدِيدًا وَأَهَمَّنِي أَمْرِي فَقُلْتُ : إِذَا قُبِلَ حَجُّ سِتَّةِ أَنْفُسٍ فَأَيْنَ أَكُونُ أَنَا فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ ؟ فَلَمَّا أَفَضْتُ مِنْ عَرَفَةَ وَبِتُّ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ فِي كَثْرَةِ الْخَلْقِ وَفِي قِلَّةٍ مِنْ قُبِلَ مِنْهُمْ فَحَمَّلَنِي النَّوْمُ فَإِذَا أَنَا بِالشَّخْصَيْنِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ : فَإِذَا الشَّخْصَانِ (قَدْ نَزَلَا عَلَى هَيْئَتِهِمَا فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَعَادَ ذَلِكَ الْكَلَامَ) الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْمُرَاجَعَةُ (بِعَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرِي مَاذَا حَكَمَ بِهِ رَبُّنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَإِنَّهُ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السِّتَّةِ) الْمَذْكُورَةِ (مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ : فَانْتَبَهْتُ وَبِي مِنَ السُّرُورِ مَا يَكِلُّ عَنِ الْوَصْفِ) هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ ثُمَّ قَالَ : ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سِتَّةً وَلَمْ يَذْكُرِ السَّابِعَ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَبْدَالُ السَّبْعَةُ أَوْتَادُ الْأَرْضِ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِمْ كِفَاحًا ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ وَرَاءِ قُلُوبِهِمْ ، فَأَنْوَارُ هَؤُلَاءِ مِنْ نُورِ الْجَلَالِ ، وَنُورُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ نُورِهِمْ ، وَأَنْصِبَتُهُمْ وَعُلُومُهُمْ مِنْ أَنْصِبَةِ هَؤُلَاءِ ، فَلَمْ يَذْكُرِ السَّابِعَ وَهُوَ قُطْبُ الْأَرْضِ ، وَالْأَبْدَالُ كُلُّهُمْ فِي مِيزَانِهِ . وَيُقَالُ : إِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُضَاهِي الْخِضْرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْحَالِ وَيُجَارِيهِ فِي الْعِلْمِ ، وَإِنَّهُمَا يَتَفَاوَضَانِ الْعِلْمَ ، وَيَجِدُ أَحَدُهُمَا الْمَزِيدَ مِنَ الْآخَرِ فَإِنَّمَا لَمْ يُذْكُرْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِأَنَّهُ يُوهَبُ لَهُ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ جَاهًا مِنْ جَمِيعِهِمْ وَأَنْفَذُ قَوْلًا فِي الشَّفَاعَةِ مِنَ الْجُمْلَةِ . (وَعَنْهُ أَيْضًا) أَيْ : عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّهُ قَالَ : حَجَجْتُ سَنَةً فَلَمَّا قَضَيْتُ مَنَاسِكِي تَفَكَّرْتُ فِيمَنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ حَجَّتِي) هَذِهِ (وَجَعَلْتُ ثَوَابَهَا لِمَنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ فَرَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي النَّوْمِ فَقَالَ : يَا عَلِيُّ تَتَسَخَّى عَلَيَّ وَأَنَا خَلَقْتُ السَّخَاءَ وَ) خَلَقْتُ (الْأَسْخِيَاءَ وَأَنَا أَجْوَدُ الْأَجْوَدِينَ وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَأَحَقُّ بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ مِنَ الْعَالَمِينَ وَقَدْ وَهَبْتُ كُلَّ مَنْ لَمْ أَقْبَلْ حَجَّهُ لِمَنْ قَبِلْتُهُ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية