الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                        الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُمَاثَلَةِ . وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ ، كَالْكَفَاءَةِ فِي النَّفْسِ ، فَلَا يُقَابَلُ طَرَفٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، كَالْيَدِ بِالرَّجْلِ ، وَإِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ ، لَمْ يُؤَثِّرِ التَّفَاوُتُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَالضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ ، كَمَا لَا تُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ النَّفْسَيْنِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَكَذَلِكَ تُقْطَعُ يَدُ الصَّانِعِ بِيَدِ الْأَخْرَقِ ، كَمَا يُقْتَلُ الْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ التَّفَاوُتُ فِي أُمُورٍ : أَحَدُهَا : تَفَاوَتُ الْمَحِلِّ وَالْقَدْرِ ، أَمَّا الْمَحَلُّ ، فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى ، وَلَا الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى ، وَكَذَا الرِّجْلُ وَالْعَيْنُ وَالْأُذُنُ ، وَلَا يُقْطَعُ مِنَ الْجِنْسِ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ ، وَكَذَا الْعَكْسُ ، وَكَذَا فِي الشَّفَةِ ، وَلَا أُصْبُعٌ وَلَا أُنْمُلَةٌ بِغَيْرِهَا ، وَلَا أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ بِزَائِدَةٍ أُخْرَى ، إِذَا اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا ، بِأَنْ كَانَتْ زَائِدَةٌ بِجَنْبِ الْخِنْصَرِ ، وَزَائِدَةُ الْجَانِي بِجَنْبِ الْإِبْهَامِ . وَأَمَّا الْقَدْرُ ، فَالتَّفَاوُتُ فِي الْحَجْمِ صِغَرًا وَكِبَرًا ، وَطُولًا وَقِصَرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ قَطْعًا ، وَكَذَا فِي الزَّائِدَةِ عَلَى الْأَصَحِّ ، فَإِنْ قُلْنَا : تُؤَثِّرُ ، وَكَانَتْ زَائِدَةُ الْجَانِي أَكْبَرَ ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ . وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ ، اقْتُصَّ ، وَأَخَذَ حُكُومَةً قَدْرَ النُّقْصَانِ ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَا رَأَى الْإِمَامُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ تَفَاوُتُ الْحَجْمِ فِي الْحُكُومَةِ . فَإِنْ أَثَّرَ ، فَلَا قِصَاصَ ، قَالَ : وَالِاخْتِلَافُ فِي الْكَوْنِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ لَا يُؤَثِّرُ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الْحُكُومَةِ . وَتُقْطَعُ الزَّائِدَةُ بِالْأَصْلِيَّةِ إِذَا اتَّفَقَ مَحَلُّهُمَا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ لِنُقْصَانِ الزَّائِدَةِ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ بِالشَّلَّاءِ عَنِ السَّلِيمَةِ . فَرْعٌ . نَقَلُوا عَنِ النَّصِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ زَائِدَةُ الْجَانِي أَتَمَّ ، بِأَنْ كَانَ لِأُصْبُعِهِ الزَّائِدَةِ ثَلَاثُ مَفَاصِلٍ ، وَلِزَائِدَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَفْصِلَانِ ، لَمْ تُقْطَعْ بِهَا ، لِأَنَّ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ . فَرْعٌ . الْكَلَامُ فِي قِصَاصِ الْمُوضِحَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمِسَاحَةِ وَالْمَحَلِّ ، أَمَّا الْمِسَاحَةُ ، فَمُعْتَبَرَةٌ طُولًا وَعَرْضًا ، فَلَا تُقَابَلُ ضَيِّقَةٌ بِوَاسِعَةٍ ، وَلَا يَقْنَعُ بِضَيِّقَةٍ عَنْ وَاسِعَةٍ ، فَتُذْرَعُ مُوضِحَةُ الْمَشْجُوجِ بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ ، وَيُحْلَقُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَنْ رَأْسِ الشَّاجِّ ، إِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ . وَيُخَطُّ عَلَيْهِ بِسَوَادٍ أَوْ حُمْرَةٍ ، وَيَضْبُطُ الشَّاجُّ حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ ، وَيُوضِحُ بِحَدِيدَةٍ حَادَّةٍ كَالْمُوسَى ، وَلَا يُوضِحُ بِالسَّيْفِ . وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ ، وَكَذَا لَوْ أَوْضَحَ بِحَجَرٍ ، أَوْ خَشَبٍ ، يَقْتَصُّ مِنْهُ بِالْحَدِيدَةِ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ الرُّويَانِيُّ ، ثُمَّ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنَ الشِّقِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَيَرْفُقُ فِي مَوْضِعِ الْعَلَامَةِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِتَفَاوُتِ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ فِي غِلَظِ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ . وَأَمَّا الْمَحَلُّ ، فَإِنْ أَوْضَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ ، وَرَأْسَاهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمِسَاحَةِ ، أَوْضَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ ، اسْتَوْعَبْنَاهُ إِيضَاحًا ، وَلَا يَكْفِي بِهِ وَلَا يَنْزِلُ لِإِتْمَامِ الْمِسَاحَةِ إِلَى الْوَجْهِ ، وَلَا إِلَى الْقَفَا ، بَلْ يُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَرْشِ إِذَا وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الْمُوضِحَةِ . وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرُ ، لَمْ يُوضِحْ جَمِيعَهُ ، بَلْ بِقَدْرِهِ بِالْمِسَاحَةِ وَالِاخْتِيَارِ فِي مَوْضِعِهِ إِلَى الْجَانِي ، وَقِيلَ : إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : يَبْتَدِئُ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ الْجَانِي ، وَيَذْهَبُ بِهِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا إِلَى أَنْ يَتِمَّ الْقَدْرُ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ ، فَإِنْ كَانَ فِي رَأْسِ الْجَانِي مُوضِحَةٌ ، وَالْبَاقِي بِقَدْرِ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ ، تَعَيَّنَ ، وَصَارَ كَأَنَّهُ كُلُّ الرَّأْسِ ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَ حَقِّهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ ، وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بَدَلَ مُوضِحَةٍ . وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْبَعْضَ وَيَأْخُذَ لِلْبَاقِي قِسْطَهُ مِنَ الْأَرْشِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْبَاقِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْضَحَ فِي مَوْضِعَيْنِ ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِي أَحَدِهِمَا ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ ، وَلَوْ أَوْضَحَ الْجَانِي بَعْضَ الرَّأْسِ ، كَالْقَذَالِ وَالنَّاصِيَةِ ، أَوْضَحْنَا ذَلِكَ الْقَدْرَ وَتَمَّمْنَاهُ مِنَ الرَّأْسِ إِنْ بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ . وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ ، وَلَوْ أَوْضَحَ جَبْهَتَهُ ، وَجَبْهَةُ الْجَانِي أَصْغَرُ ، لَمْ يَرْتَقِ إِلَى الرَّأْسِ ، وَلِيَجِيءَ فِي مُجَاوَزَةِ مَوْضِعٍ مِنَ الْوَجْهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُلَاصِقُهُ الْوَجْهَانِ . وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِي مُوضِحَةِ سَائِرِ الْبَدَنِ ، فَأَوْضَحَ سَاعِدَهُ وَسَاعِدُ الْجَانِي أَصْغَرُ ، لَمْ يُجَاوِزْهُ إِلَى الْعَضُدِ وَلَا إِلَى الْكَتِفِ ، كَمَا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ . فَرْعٌ . لَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي الْمُوضِحَةِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ ، نُظِرَ ، إِنْ زَادَ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي ، فَلَا غُرْمَ ، وَإِنْ زَادَ عَمْدًا ، اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الزِّيَادَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ انْدِمَالِ الْمُوضِحَةِ الَّتِي فِي رَأْسِهِ ، وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ ، أَوْ أَخْطَأَ بِاضْطِرَابِ يَدِهِ ، وَجَبَ الضَّمَانُ ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يُوَزَّعُ الْأَرْشُ عَلَيْهِمَا ، فَيَجِبُ قِسْطُ الزِّيَادَةِ ، وَأَصَحُّهُمَا : يَجِبُ أَرْشٌ كَامِلٌ ، وَلَوْ قَالَ الْمُقْتَصُّ : أَخْطَأْتُ بِالزِّيَادَةِ ، فَقَالَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ : بَلْ تَعَمَّدْتَهَا ، صَدَقَ الْمُقْتَصُّ بِيَمِينِهِ ، وَلَوْ قَالَ : تَوَلَّدَتِ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِكَ ، وَأَنْكَرَ ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ ؟ وَجْهَانِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ الِاضْطِرَابِ .

                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية