الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        لا يجزئ في الدية مريض ولا معيب بعيب يثبت الرد في البيع إلا برضى المستحق ، سواء كانت إبل من عليه سليمة أم معيبة .

                                                                                                                                                                        [ ص: 260 ] فرع

                                                                                                                                                                        الغالب أن الناقة لا تحمل حتى يكون لها خمس سنين وهي الثنية ، فلو حملت قبل ذلك ؛ فهل يلزمه قبولها في الخلفات ؟قولان ، أظهرهما : نعم .

                                                                                                                                                                        وإذا تنازعا في كونها خلفات ، عمل بقول عدلين من أهل الخبرة ، وإذا أخذت بقول العدلين ، أو بتصديق المستحق ، فماتت عند المستحق وتنازعا في الحمل ، شق جوفها لتعرف ؛ فإن بان أنها لم تكن حاملا ، غرمها المستحق وأخذ بدلها خلفة ، وفي وجه يأخذ أرش النقص فقط ؛ والصحيح الأول . ولو صادفنا الناقة المأخوذة حائلا ؛ فقال المستحق : لم يكن بها حمل ، وقال الدافع : أسقطت عندك ، فإن لم يحتمل الزمان الإسقاط ، ردت ، وطولب بخلفة ، وإن احتمل ، نظر ، إن أخذت بقول الجاني فقط ، صدق المستحق بيمينه ، وإن أخذت بقول أهل الخبرة ، فأيهما يصدق ؟ وجهان ، أصحهما : الدافع .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        من لزمته الدية من الجاني أو العاقلة له حالان ، الأولى : أن لا يملك إبلا ، فيلزمه تحصيل الواجب من غالب إبل البلدة أو القبيلة إن كانوا أهل بادية ينتقلون ، فإن تفرقت العاقلة في البلدان أو في القبائل ، أخذت حصة كل واحد من غالب إبل بلده أو قبيلته ؛ فإن لم يكن في البلد أو القبيلة إبل ، أو كانت بعيدة عن البلد ، اعتبر إبل أقرب البلاد ، ويلزمه النقل إن قربت المسافة ؛ فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة ، لم يلزمه ، وسقطت المطالبة بالإبل ، وأشار بعضهم إلى ضبط البعيد بمسافة القصر ، وقال الإمام : لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة ، لم يلزمه تحصيلها ، وإلا فيلزم .

                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : أن يملك إبلا ؛ فإن كانت من غالب إبل البلدة أو القبيلة ، فذاك ، وإن كانت من صنف آخر ، أخذت [ ص: 261 ] أيضا من أي صنف كانت ، هذا هو الصحيح ، وبه قطع الأكثرون من العراقيين وغيرهم ، وهو ظاهر نصه في " المختصر " وفي وجه حكاه الإمام عن محققي المراوزة واختاره أنه يجب غالب إبل البلد ، ومتى تعين نوع ، فلا عدول إلى ما فوقه أو دونه إلا بالتراضي ، وإذا كان الاعتبار بإبل البلد ، أو القبيلة ، فكانت نوعين فأكثر ، ولا غالب فيها ، فالخيرة إلى الدافع ، وإذا اعتبرنا إبل من عليه ، فتنوعت ، فوجهان ، أحدهما : تؤخذ من الأكثر ، فإن استويا ، دفع ما شاء ، والثاني : تؤخذ من كل بقسطه إلا أن يتبرع ، فيعطي الجميع من الأشرف ، ولو دفع نوعا غير ما في بيده ، أجبر المستحق على قبوله إذا كان من غالب إبل البلد والقبيلة كذلك ، وإذا كانت الإبل تباع بأكثر من ثمن المثل فهي كالمعدومة فلا يلزم تحصيلها .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا كانت الإبل موجودة وعدل من عليه الدية ومستحقها إلى القيمة أو غيرها بالتراضي ، جاز ، كما لو أتلف مثليا وتراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل جاز .

                                                                                                                                                                        قال صاحب البيان : هكذا أطلقوه ، وليكن ذلك مبنيا على جواز الصلح عن إبل الدية ، ولو أراد أحدهما العدول عن الإبل ، لم يجبر الآخر عليه ، وحكي وجه عن ابن سلمة وغيره أن الجاني يتخير بين الإبل والدراهم والدنانير المقدرة على القول القديم تفريعا على القديم ، والمذهب الأول .

                                                                                                                                                                        فإن لم توجد الإبل في الموضع الذي يجب تحصيلها منه ، أو وجدت بأكثر من ثمن المثل فقولان ؛ الجديد الأظهر : أن الواجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت ، والقديم : يجب ألف دينار ، أو اثنا عشر ألف درهم . وفي وجه مخرج على القديم عشرة آلاف درهم . والاعتبار بالدراهم والدنانير المضروبة الخالصة ، وذكر الإمام أن الدافع [ ص: 262 ] يتخير بين الدراهم والدنانير ، وقال الجمهور : على أهل الذهب ذهب ، وعلى أهل الورق ورق .

                                                                                                                                                                        فإن كان الواجب دية مغلظة ، فهل يزاد للتغليظ شيء ؟ وجهان ، أصحهما : لا ، والثاني : يزاد ثلث المقدر ؛ فعلى هذا لو تعدد سبب التغليظ بأن قتل محرما في الحرم ، فهل يتكرر التغليظ ؟ وجهان ، أصحهما : لا فلا يزاد على الثلث ، كما لو قتل المحرم صيدا حرميا ، يلزمه جزاء فقط ، والثاني : يزاد لكل سبب ثلث دية .

                                                                                                                                                                        فعلى هذا لو قتل ذا رحم محرما في الحرم والأشهر الحرم عمدا ، وجب ثمانية وعشرون ألف درهم ، وأما إذا قلنا بالجديد ، فتقوم الإبل بغالب نقد البلد وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة . قال الإمام : فإن غلب نقدان في البلد ، يخير الجاني منهما ، وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها ؛ فإن لم يكن هناك إبل ، قومت من صنف أقرب البلاد إليهم ، وهل تعتبر قيمة موضع الوجود ، أم موضع الإعواز لو كانت فيه إبل ؟ وجهان :

                                                                                                                                                                        أصحهما : الثاني ، وتعتبر قيمتها يوم وجوب التسليم ، هذا هو المفهوم من كلام الأصحاب ، وقال الروياني : إن وجبت الدية والإبل مفقودة ، اعتبرت قيمتها يوم الوجوب ، وإن وجبت وهي موجودة فلم تؤد حتى أعوزت وجبت قيمتها يوم الإعواز ، وإن وجد بعض الإبل الواجبة ، أخذ الموجود وقيمة الباقي .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال الإمام : لو قال المستحق عند إعواز الإبل : لا أطالب الآن بشيء ، وأصبر إلى أن يوجد ؛ فالظاهر أن الأمر إليه ، لأن الأصل هو الإبل ، ويحتمل أن يقال لمن عليه أن يكلفه قبض ما عليه لتبرأ ذمته ، قال : ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنه لو أخذ الدراهم ، ثم وجدت الإبل يرد الدراهم ، ويرجع إلى الإبل ، بخلاف ما إذا غرم قيمة المثلى لإعواز المثل ، ثم وجد ؛ ففي الرجوع إلى المثل خلاف . وبالله التوفيق .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية