الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل قطع يد عبد فعتق ثم جاء آخر فقطع يده الأخرى أو رجله

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

قطع يد عبد ، فعتق ، ثم جاء آخر ، فقطع يده الأخرى ، أو رجله ، نظر ، إن اندملت الجراحتان ، فلا قصاص على الأول إن كان حرا ، وعليه نصف القيمة للسيد ، وعلى الثاني القصاص ، أو نصف الدية ، وإن مات منهما ، فلا قصاص على الأول في النفس ، ولا في الطرف إن كان حرا .

وأما الثاني ، فللوارث أن يقتص منه في الطرف ، وكذا في النفس على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقيل : لا قصاص ، وقيل : قولان كشريك المبيع ، وإذا أوجبنا القصاص ، فعفا المستحق ، فعليهما كل الدية للسيد ، أقل من نصف الدية ونصف القيمة .

ويكون حقه فيما يجب على الأول دون الثاني ، وإن اقتص الوارث من الثاني ، بقي على الأول نصف الدية ، فإن كان قدر نصف القيمة أو أقل ، أخذه السيد ، وإن كان أكثر ، [ ص: 173 ] فالزيادة للوارث ولو قطع حر يد عبد ، فعتق ، ثم قطع يده الأخرى ، فمات منهما ، فللوارث القصاص في الطرف الثاني ولا يجب قصاص النفس على الصحيح .

فلو عفا المستحق عن قصاص الطرف ، ففيهما الدية ، وإن استوفاه ، بقي نصف الدية ، وحكم ما للسيد في الحالين على ما ذكرنا فيما إذا كان القاطع غيره .

ولو قطع إصبع عبد ، فعتق ، ثم قطع آخر يده ، ومات منهما ، فعليهما الدية ، وللسيد على أحد القولين : الأقل من نصف الدية ، ونصف القيمة ، وعلى الأظهر : الأقل من نصف الدية ، وعشر القيمة .

فرع .

قطع إحدى يدي عبد ، فعتق ، ثم جرحه رجلان ، بأن قطع أحدهما يده الأخرى ، والآخر رجله ، ومات ، فلا قصاص على الأول ، لا في النفس ولا في الطرف إن كان حرا ، وعلى الآخرين القصاص في الطرف ، ويجب أيضا في النفس على المذهب ، وأما الدية ، فتجب على الثلاثة أثلاثا ، ولا حق للسيد فيما يجب على الآخرين ، وإنما يتعلق حقه بما على الأول ، وفيما يستحقه القولان .

فعلى القول الأول : أقل الأمرين من ثلث الدية ، وثلث القيمة ، وعلى الثاني : الأقل من ثلث الدية ، وأرش الجناية في ملكه وهو نصف القيمة ، فلو كانت الصورة بحالها ، فعاد الأول وجرح بعد العتق جراحة أخرى ومات بسراية الجميع ، فالدية عليهم أثلاثا لما سبق أنا ننظر إلى عدد الجارحين ، لا إلى الجراحات .

ثم الثلث الواجب على الجاني الأول واجب عن جنايتيه ، فتقابل الجناية الواقعة في الرق سدس الدية ، فللسيد على القول الأول الأقل من سدس الدية الواجب بالجناية في ملكه ، أو سدس القيمة .

وعلى الثاني الأقل من سدس الدية أو نصف القيمة وهو أرش الجناية [ ص: 174 ] في ملكه . ولو قطع يد عبد ، فعتق ، فجرحه آخر جراحة ، فعاد الأول ، فجرحه أخرى ، فعليهما الدية نصفين ، والنصف الواجب على الأول وجب بجنايتي الرق والحرية .

فحصة الجناية الأولى ربع الدية ، فللسيد في القول الأول الأقل من ربع الدية وربع القيمة ، وعلى الثاني الأقل من ربع الدية ، ونصف القيمة ، وبه أجاب ابن الحداد في هذه الصورة .

وذكر القاضي أبو الطيب أنه الأظهر ، ولو جنى اثنان على عبد معتق ، ثم جنى عليه ثالث ، ومات بالسراية ، فعليهم الدية أثلاثا ، وللسيد في القول الأول الأقل من ثلثي الدية وثلثي القيمة ، وفي الثاني الأقل من ثلثي الدية وأرش جنايتي الرق ، ولو جنى عليه ثلاثة في الرق ، فعتق ، ثم جنى رابع ومات ، فعليهم الدية أرباعا ، للسيد في القول الأول الأقل من ثلاثة أرباع الدية وثلاثة أرباع القيمة .

وفي الثاني الأقل من ثلاثة أرباع الدية وأرش جنايات الرق ، ولو جنى اثنان في الرق ، وثلاثة بعد ما عتق ، فالدية عليهم أخماسا ، للسيد في القول الأول الأقل من خمسي الدية وخمسي القيمة .

وفي الثاني الأقل من خمسي الدية وأرش جنايتي الرق ، ولو أوضح عبدا ، فعتق ، فقطع آخر يده ، ومات منهما ، فعليهما الدية ، وللسيد على القول الأول أقل الأمرين من نصف الدية ، ونصف القيمة ، وعلى الثاني الأقل من نصف الدية ونصف عشر القيمة ، وهو أرش الموضحة .

ولو أوضحه ، فعتق ، فجاء تسعة فجرحوه ومات ، فعليهم الدية أعشارا ، وللسيد على القول الأول الأقل من عشر الدية وعشر القيمة .

وعلى الثاني الأقل من عشر الدية ، ونصف عشر القيمة ، وهو أرش الموضحة ولو جرحه الأول جرحا آخر مع [ ص: 175 ] التسعة ، فالدية عليهم كذلك للسيد ، الأقل من نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة على القولين ، لأنه لم يجب بالجناية واقفة وسارية إلا نصف عشر الضمان .

وهكذا يتفق القولان إذا اتفق قدر الضمان على التقديرين ، كما إذا جنى خمسة في الرق ، وأرش جناياتهم نصف القيمة ، وخمسة بعد العتق ، فللسيد على القولين الأقل من نصف الدية ونصف القيمة .

فرع .

قطع حر يد عبد ، فعتق ، فحز آخر رقبته ، فقد أبطل الحز السراية ، فعلى الأول نصف القيمة للسيد ، وعلى الثاني القصاص ، أو كمال الدية للوارث .

ولو قطع حر يد عبد ، فعتق ، ثم قطع آخر يده الأخرى ، ثم حزت رقبته ، فإن حزه ثالث ، فقد بطلت سراية القطعين ، فعلى الأول نصف القيمة للسيد ، وعلى الثاني القصاص في الطرف ، أو نصف الدية للوارث .

وعلى الثالث القصاص في النفس ، أو كمال الدية ، وإن حزه الأول ، نظر ، إن حزه بعد اندمال قطعه ، فعليه نصف القيمة للسيد ، والقصاص في النفس ، أو كمال الدية للوارث .

وعلى الثاني نصف الدية ، وإن حزه قبل الاندمال ، فعليه القصاص في النفس ، ثم إن قلنا بالصحيح : إن بدل الطرف يدخل في النفس ، فإن اقتص الوارث ، سقط حق السيد ، وإن عفا ، وجب كمال الدية ، للسيد منه الأقل من نصف الدية ، ونصف القيمة على أحد القولين كما سبق .

هذا هو الصحيح ، وقال القاضي أبو الطيب : عندي يسقط حق السيد وإن عفا الوارث ، لأنه إذا سقط حكم الطرف ، صار الحكم للنفس .

وكان المأخوذ بدل النفس المفوتة بعد زوال ملك السيد ، وعلى قول ابن سريج والإصطخري : أن بدل الطرف لا يدخل في النفس ، يكون [ ص: 176 ] للسيد عليه نصف القيمة ، وللوارث القصاص في النفس ، أو كمال الدية ، وإن حز الثاني ، بطلت سراية الأول ، فعلى الأول نصف القيمة للسيد .

والثاني قطع طرف حز ثم قتله ، فإن قتله بعد الاندمال ، فللوارث أن يقتص منه في الطرف والنفس ، وله أن يأخذ نصف الدية لليد ، ودية كاملة للنفس ، فإن شاء ، اقتص فيهما ، وإن شاء ، أخذ بدلهما ، وإن شاء ، بدل أحدهما وقصاص الآخر .

وإن قتله قبل الاندمال ، فللوارث القصاص في النفس بقطع اليد ، وله أخذ دية النفس فقط .

فرع .

قد عرفت أن الواجب فيما إذا جنى على عبد ، فعتق ، وسرت الجناية إلى نفسه ، إنما هو الدية ، والدية الإبل ، قال الأصحاب : تؤخذ الدية ، وتصرف إلى السيد حصته على التفصيل السابق من الإبل ، وليس للوارث أن يقول : أستوفي الإبل ، وأدفع إليه ما يستحقه من الدراهم ، أو الدنانير ، زاعما أنه إنما يستحق القيمة ، والقيمة دراهم أو دنانير .

لأن ما يستحقه يستحقه من عين الدية التي هي الواجبة وليست مرهونة بحقه ، بخلاف الدين مع التركة ، وليس للسيد أن يكلف الجاني تسليم الدراهم ، ولو أتى الجاني بالدراهم ، ففي إجبار السيد على قبولها وجهان ، أرجحهما عند الإمام والغزالي : نعم .

وحاصله تخيير الجاني بين تسليم الدية والدراهم ، ولو أبرأ السيد الجاني عما يستحقه من الدية ، برئ ، وليس للورثة المطالبة به .

فرع .

رمى إلى ذمي ، فأسلم ، أو عبد ، فعتق قبل الإصابة ، وجب دية حر مسلم ، ولا قصاص إذا كان الرامي حرا مسلما ، وكذا لو رمى ذمي [ ص: 177 ] إلى ذمي ، أو إلى عبد ، ثم أسلم الرامي ، أو عتق قبل الإصابة ، لا قصاص ، لأنه لا كفارة عند الإصابة .

فرع .

قد يعبر عن مسائل الباب في تغير الحال بين الجرح والموت ، وبين الرمي والإصابة ، فيقال : كل جرح أوله غير مضمون لا ينقلب مضمونا بتغير الحال في الانتهاء .

وإن كان مضمونا في الحالين ، اعتبر في قدر الضمان الانتهاء ، وفي القصاص تعتبر الكفاءة في الطرفين والوسط ، وكذا إذا تبدل الحال بين الرمي والإصابة ، اعتبر في القصاص الكفاءة في الطرفين والوسط ، وكذا يعتبر الطرفان والوسط في تحمل العاقلة وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث