الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فضل الصوم

والثاني أنه قهر لعدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : داومي قرع باب الجنة . قالت : بماذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بالجوع وسيأتي فضل الجوع في كتاب شره الطعام وعلاجه من ربع المهلكات فلما كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدا لمسالكه وتضييقا لمجاريه استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له قال الله تعالى : إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فالبداية بالجهد من العبد ، والجزاء بالهداية من الله عز وجل ، ولذلك قال تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإنما التغيير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهم ، فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانه وكان محجوبا عن لقائه .

وقال صلى الله عليه وسلم : لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة

التالي السابق


(والثاني) من المعنيين (أنه) أي الصوم (قهر لعدو الله) تعالى ودفاع لفضوحه ومصايده (فإن وسيلة الشيطان لعنه الله) التي يتوسل بها في خداع بني آدم (الشهوات) النفسية (وإنما تقوى) تلك (الشهوات بالأكل والشرب) وبهما تتقوى شهوة الجماع (ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان) أي كيده (ليجري من ابن آدم) أي فيه (مجرى الدم) في العروق المشتملة على جميع البدن .

قال المناوي : ومجرى إما مصدر ؛ أي : يجري مثل جريان الدم في أنه لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء ، ووجه الشبه شدة الاتصال ، فهو كناية عن شدة تمكنه من الوسوسة ، أو ظرف ليجري ، ومن الإنسان حال منه ، أي : يجري في مجرى الدم كائنا من الإنسان ، أو بدل بعض من الإنسان ، أي يجري من الإنسان حيث يجري فيه الدم .

قال العراقي : هو متفق عليه من حديث صفية دون قوله (فضيقوا مجاريه بالجوع ) . أهـ .

قلت : وذكره المصنف أيضا بهذه الزيادة مرسلا في شرح عجائب القلب ، وهو في كتاب الشريعة بلفظ : فسدوا مجاريه بالجوع والعطش .. أ هـ . .

وأنا أظن أن هذه الزيادة وقعت تفسيرا للحديث من بعض رواته ، فألحقها به من روى عنه ، وأما الجملة الأولى منه فأخرجها الشيخان وأبو داود وابن ماجه ، وأول الحديث أنه صلى الله عليه وسلم انطلق مع صفية ، فمر به رجلان من الأنصار ، فدعاهما فقال إنها صفية ، قالا : فسبحان الله . . . فذكره .

وأخرج الشيخان أيضا ، وأحمد ، وأبو داود من حديث أنس بن مالك ، وقد تقدم لهذا الحديث ذكر في كتاب العلم ، ونقل صاحب العوارف عن بعضهم أنه ينهزم الشيطان من جائع نائم ، فكيف إذا كان قائما ويعانق شبعانا قائما ، فكيف إذا كان نائما (ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : داومي قرع باب الجنة . قالت : بماذا ؟ قال : بالجوع ) .

قال العراقي : لم أجده أصلا .. أ هـ . .

قلت : وهو في كتاب عوارف المعارف من قول عائشة بلفظ : أديموا قرع باب الملكوت يفتح لكم . قالوا : كيف نديم ؟ قالت : بالجوع والعطش والظمأ .. أ هـ . .

وهذا أشبه ، وسيأتي للمصنف هذا عن الحسن عن عائشة بهذا اللفظ في باب كسر الشهوتين كما قال (وسيأتي فضل الجوع في باب كسر شره الطعام وعلاجه من ربع المهلكات) إن شاء الله تعالى (فلما كان الصوم على الخصوص) من دون العبادات (قمعا للشيطان) أي كيده (وسدا لمسالكه وتضييقا لمجاريه) من ابن آدم (استحق التخصيص بالنسبة إلى الله تعالى) فالحاصل أن الإضافة في قوله : لي . إما إضافة تشريف ، كقولهم : بيت الله . أو تخصيص كقوله : ناقة الله . وهو القول التاسع ، ويحتمل أن يكون من باب إضافة الحماية كما في قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وهو القول العاشر . فهذه عشرة أقوال جمعتها من كلام العلماء ، منها ما لوح إليها المصنف دون ما زدتها ، وقد ذكر الخطيب في شرح المنهاج أنهم اختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين .

قال السبكي : من أحسنها قول سفيان بن عيينة : إن يوم القيامة تتعلق خصماء المرء بجميع أعماله إلا الصوم . . . إلى آخر ما ذكره ، وقد ذكرت القول وما اعترض به عليه ، والجواب عنه ، وأنا عندي أحسنها ما أورده المصنف وغيره من أنه عمل السر لا يداخله رياء ، فكان أولى بهذه الإضافة (ففي قمع) عتو (عدو الله نصرة الله تعالى [ ص: 195 ] ونصرة الله تعالى للعبد موقوفة على النصرة له) أي نصرة العبد له ، ولذا (قال الله تعالى : إن تنصروا الله ) أي بقمع أعداء الله ( ينصركم ) على أعدائكم ( ويثبت أقدامكم ) عن المذلة (فالبداية بالجهد) على الاستطاعة (من العبد ، والجزاء بالهداية من الله عز وجل ، ولذلك قال الله تعالى : والذين جاهدوا فينا ) أي : دافعوا أعداء الدين في سبيلنا ووجهنا ( لنهدينهم ) أي لنرشدنهم ( سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) أي معهم بالنصرة والهداية والتوفيق (وقال تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم ) مما أنعم عليهم من أنواع النعم ( حتى يغيروا ما بأنفسهم وإنما التغيير تكثير الشهوات) بأن يعطي لنفسه كل ما تشتهيه وتستلذه (فهي) أي الشهوات (مرتع الشياطين ومرعاهم ، فما دامت) الشهوات (مخصبة) المرعى (لم ينقطع تردده إليها) فقد نقل صاحب العوارف عن بعضهم أن في نفس ابن آدم ألف عضو من الشرك ، كلها في كف الشيطان فيتعلق بها ، فإذا جوع بطنه ، وأخذ حلقه ، وروض نفسه ، ويبس كل عضو ، واحترق بنار الجوع ، فر الشيطان من ظله ، وإذا أشبع بطنه ، وترك حلقه في لذائذ الشهوات ، فقد رطب أعضاءه وأمكره الشيطان ، والشبع نهر في النفس ترده الشياطين ، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة ، وقال ذو النون : ما أكلت حتى شبعت ولا شربت حتى رويت إلا عصيت الله تعالى أو هممت بمعصية (وما داموا يترددون) إلى تلك المراعي (لم ينكشف للعبد جلال الله تعالى) وعظمته (وكان محجوبا عن لقائه) بعيدا عن رضاه مطرودا عن حماه (و) لذا (قال صلى الله عليه وسلم : لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء ) .

قال العراقي : رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه .. أ هـ . .

والمراد بملكوت السماء عالم الغيب المختص (فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة) الذي يدخل منه إليها (وصار جنة) واقية من الأعداء الظاهرة والباطنة ، أخرج النسائي من حديث معاذ : الصيام جنة .

وأخرج البيهقي من حديث عثمان بن أبي العاص : الصوم جنة من عذاب الله . وعند الطبراني في الكبير بلفظ : الصوم جنة يستجن بها العبد من النار ، وعند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة : الصيام جنة . وعندهما والنسائي وأبي بكر بن أبي شيبة من حديث عثمان بن أبي العاص : الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال . وعند أحمد والبيهقي من حديث أبي هريرة : الصيام جنة وحصن حصين من النار . وعند البيهقي من حديث جابر : الصيام جنة حصينة من النار . وعند الطبراني في الأوسط : الصيام جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة . (وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة) وما فيها من صوم العموم والخصوص ، وبعد فراغنا من الكلام على أحكام المسألة التي يوردها المصنف في ذلك ننتقل إلى الكلام بلسان الخواص وخلاصتهم على صوم النفس بما هي آمرة للجوارح ، وهو إمساكها عما حجر عليها ، وارتفاعها عن ذلك ، وعلى صوم القلب الموصوف بالسعة للنزول الإلهي حيث قال : وسعني قلب عبدي المؤمن ، وصومه هو إمساكه هذه السعة أن يعمرها أحد غير خالقه ، فإن عمرها أحد غير خالقه فقد أفطر زمانا لا يجب أن يكون فيه صائما إيثارا لربه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث