الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة الثانية

[ في جواز النسخ عقلا ووقوعه سمعا ]

النسخ جائز عقلا واقع سمعا ، بلا خلاف في ذلك بين المسلمين ، إلا ما يروي عن أبي مسلم الأصفهاني فإنه قال إنه جائز ، غير واقع ، وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلا فظيعا ، وأعجب من جهله بها حكاية من حكي عنه الخلاف في كتب الشريعة ، فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين ، لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية .

وأما الجواز : فلم يحك الخلاف فيه إلا عن اليهود ، وليس بنا إلى نصب الخلاف بيننا وبينهم حاجة ، ولا هذه بأول مسألة خالفوا فيها أحكام الإسلام ، حتى يذكر خلافهم [ ص: 537 ] في هذه المسألة ، ولكن هذا من غرائب أهل الأصول .

على أنا قد رأينا في التوراة في غير موضع أن الله سبحانه رفع عنهم أحكاما لما تضرعوا إليه ، وسألوا منه رفعها ، وليس النسخ إلا هذا ، ولهذا لم يحكه من له معرفة بالشريعة الموسوية إلا عن طائفة من اليهود ، وهم الشمعونية ولم يذكروا لهم دليلا ، إلا ما ذكره بعض أهل الأصول من أن النسخ " بداء " والبداء ممتنع عليه ، وهذا مدفوع بأن النسخ لا يستلزم البداء ، لا عقلا ، ولا شرعا ، وقد جوزت الرافضة البداء عليه - عز وجل - لجواز النسخ ، وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها .

والحاصل : أن النسخ جائز عقلا ، واقع شرعا ، من غير فرق بين كونه في الكتاب أو السنة .

وقد حكى جماعة من أهل الأصول اتفاق أهل الشرائع عليه ، فلم يبق في المقام ما يقتضي تطويل المقال .

وقد أول جماعة خلاف أبي مسلم الأصفهاني المذكور سابقا بما يوجب أن يكون الخلاف لفظيا . قال ابن دقيق العيد : نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ ، لا بمعنى أن الحكم الثابت لا يرتفع ، بل بمعنى أنه ينتهي بنص دل على انتهائه ، فلا يكون نسخا . ونقل عنه أبو إسحاق الشيرازي ، والفخر الرازي ، وسليم الرازي : أنه إنما أنكر الجواز ، وأن خلافه في القرآن خاصة ، لا كما نقل عنه الآمدي ، وابن الحاجب : أنه أنكر الوقوع .

[ ص: 538 ] وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمة للكتاب والسنة ، ولأحكام العقل ، فإنه إن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع ; فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله ، وإن كان لا يعلم ذلك فهو جاهل بما هو من الضروريات الدينية ، وإن كان مخالفا لكونها ناسخة للشرائع ; فهو خلاف كفري لا يلتفت إلى قائله .

نعم إذا قال : إن الشرائع المتقدمة مغياة بغاية هي البعثة المحمدية ، وأن ذلك ليس بنسخ ; فذلك أخف من إنكار كونه نسخا غير مقيد بهذا القيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث