الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        [ ص: 729 ] اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء ، صلوات الله عليهم ، بعد أن أجمعوا على أنه يجوز عقلا تعبدهم بالاجتهاد ، كغيرهم من المجتهدين ، حكى هذا الإجماع ابن فورك ، والأستاذ أبو منصور ، وأجمعوا أيضا على أنه يجوز لهم الاجتهاد فيما يتعلق بمصالح الدنيا ، وتدبير الحروب ، ونحوها ، حكى هذا الإجماع سليم الرازي وابن حزم .

                        وذلك كما قلت وقع من نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - من إرادته بأن يصالح " غطفان " على ثلث ثمار المدينة وكذلك ما كان قد عزم عليه من ترك تلقيح ثمار المدينة .

                        فأما اجتهادهم في الأحكام الشرعية ، والأمور الدينية ، فقد اختلفوا في ذلك على مذاهب :

                        ( الأول ) : ليس لهم ذلك ، لقدرتهم على النص بنزول الوحي ، وقد قال سبحانه : إن هو إلا وحي يوحى والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله : وما ينطق عن الهوى قد حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي .

                        وقال القاضي في التقريب : كل من نفى القياس أحال تعبد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - به .

                        قال الزركشي : وهو ظاهر اختيار ابن حزم .

                        [ ص: 730 ] واحتجوا أيضا بأنه - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا سئل ينتظر الوحي ، ويقول : ما أنزل علي في هذا شيء ، كما قال لما سئل عن زكاة الحمير ؟ فقال : لم ينزل علي ( في ذلك ) إلا هذه الآية الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وكذا انتظر الوحي في كثير مما سئل عنه .

                        ومن الذاهبين إلى هذا المذهب ، أبو علي ، وأبو هاشم .

                        ( المذهب الثاني ) : أنه يجوز لنبينا - صلى الله عليه وآله وسلم ، ولغيره من الأنبياء ، وإليه ذهب الجمهور .

                        واحتجوا بأن الله سبحانه خاطب نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - كما خاطب عباده ، وضرب له الأمثال ، وأمره بالتدبر والاعتبار ، وهو أجل المتفكرين في آيات الله ، وأعظم المعتبرين بها .

                        وأما قوله : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فالمراد به القرآن ; لأنهم قالوا إنما يعلمه بشر ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده ; لأنه - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي ; لم يكن نطقا عن الهوى ، بل عن الوحي ، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع ، مع كونه معرضا للخطأ ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى .

                        وأيضا قد وقع ذلك كثيرا منه - صلى الله عليه وآله وسلم - ومن غيره من الأنبياء ، فأما منه فمثل قوله : أرأيت لو تمضمضت ، أرأيت لو كان على أبيك دين .

                        [ ص: 731 ] وقوله للعباس إلا الإذخر ولم ينتظر الوحي في هذا ، ولا في كثير مما سئل عنه ، وقد قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه .

                        وأما من غيره فمثل قصة داود وسليمان .

                        وأما ما احتج به المانعون ، من أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - لو جاز له الاجتهاد ; لجازت مخالفته ، واللازم باطل .

                        وبيان الملازمة : أن ذلك الذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد ، ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة ، إذ لا قطع بأنه حكم الله ; لكونه محتملا للإصابة ، ومحتملا للخطأ ، فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاده يكون له حكم اجتهاد غيره ، فإن ذلك إنما كان لازما لاجتهاد غيره ، لعدم اقترانه بما اقترن به اجتهاده - صلى الله عليه وآله وسلم - من الأمر باتباعه .

                        وأما ما احتجوا به من أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما تأخر في جواب سؤال سائل ، [ ص: 732 ] فقد أجيب عنه بأنه إنما تأخر في بعض المواطن ; لجواز أن ينزل عليه فيه الوحي الذي عدمه شرط في صحة اجتهاده ، على أنه قد يتأخر الجواب لمجرد الاستثبات في الجواب ، والنظر فيما ينبغي النظر فيه في الحادثة ، كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين .

                        ( المذهب الثالث ) : الوقف عن القطع بشيء من ذلك ، وزعم الصيرفي في شرح الرسالة أنه مذهب الشافعي ; لأنه حكى الأقوال ولم يختر شيئا منها .

                        واختار هذا القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي .

                        ولا وجه للوقف في المسألة ; لما قدمنا من الأدلة الدالة على الوقوع ، على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله - عز وجل - : عفا الله عنك لم أذنت لهم فعاتبه على ما وقع منه ، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه .

                        ومن ذلك ما صح عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - من قوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي أي لو علمت أولا ما علمت آخرا ما فعلت ذلك ، ومثل ذلك لا يكون فيما عمله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالوحي ، وأمثال ذلك كثيرة ، كمعاتبته - صلى الله عليه وآله وسلم - على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض وكما في معاتبته - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله تعالى : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك إلى آخر ما قصه الله في ذلك في كتابه العزيز .

                        [ ص: 733 ] والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسط طويل ، وفيما ذكرناه ما يغني عن ذلك ، ولم يأت المانعون بحجة تستحق المنع ، أو التوقف لأجلها .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية