الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 754 ] [ ص: 755 ] وفيه ست مسائل

المسألة الأولى

في حد التقليد ، والمفتي ، والمستفتي

أما التقليد : فأصله في اللغة مأخوذ من القلادة ، التي يقلد غيره بها ، ومنه تقليد الهدي ، فكأن المقلد جعل ذلك الحكم ، الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق من قلده .

وفي الاصطلاح : هو العمل بقول الغير من غير حجة .

فيخرج العمل بقول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، والعمل بالإجماع ، ورجوع العامي إلى المفتي ، ورجوع القاضي إلى شهادة العدول ، فإنها قد قامت الحجة في ذلك .

أما العمل بقول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ، وبالإجماع ، فقد تقدم الدليل على ذلك في مقصد السنة ، وفي مقصد الإجماع .

وأما رجوع القاضي إلى قول الشهود : فالدليل عليه ما في الكتاب والسنة ، من الأمر بالشهادة والعمل بها وقد وقع الإجماع على ذلك .

وأما رجوع العامي إلى قول المفتي فللإجماع على ذلك .

ويخرج عن ذلك قبول رواية الرواة ، فإنه قد دل الدليل على قبولها ، ووجوب العمل بها .

وأيضا : ليست قول الراوي ، بل قول من روى عنه ، إن كان ممن تقوم به الحجة .

[ ص: 756 ] وقال ابن الهمام في التحرير ، التقليد : العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة . وهذا الحد أحسن من الذي قبله .

وقال القفال : هو قبول قول القائل ، وأنت لا تعلم من أين قاله .

وقال الشيخ أبو حامد ، والأستاذ أبو منصور : هو قبول القول من غير حجة تظهر على قوله .

وقيل : هو قبول الغير دون حجته ، أي حجة القول .

والأولى أن يقال : هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة .

وفوائد هذه القيود معروفة بما تقدم .

وأما المفتي فهو المجتهد ، وقد تقدم بيانه ، ومثله قول من قال : إن المفتي للفقيه ; لأن المراد به المجتهد في مصطلح أهل الأصول .

والمستفتي من ليس بمجتهد ، أو من ليس بفقيه ، وقد عرفت من حد المقلد ، على جميع الحدود المذكورة ، أن قبول قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم ، والعمل به ليس من التقليد في شيء ; لأن قوله - صلى الله عليه وآله وسلم ، وفعله نفس الحجة .

قال القاضي حسين في التعليق : لا خلاف أن قبول قول غير النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من الصحابة ، والتابعين ، يسمى تقليدا ، وأما قبول قوله - صلى الله عليه وآله وسلم ، فهل يسمى تقليدا ؟ فيه وجهان يبنيان على الخلاف في حقيقة التقليد ما هو ؟

وذكر الشيخ أبو حامد أن الذي نص عليه الشافعي أنه يسمى تقليدا ، فإنه قال في حق قول الصحابي لما ذهب إلى أنه لا يجب الأخذ به ، ما نصه : وأما أن يقلده ، فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى .

ولا يخفاك أن مراده بالتقليد هاهنا غير ما وقع عليه الاصطلاح ; ولهذا قال الروياني في البحر : أطلق الشافعي على جعل القبول من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تقليدا ، ولم يرد حقيقة التقليد ، وإنما أراد القبول من غير السؤال عن وجهه ، وفي وقوع اسم [ ص: 757 ] التقليد عليه وجهان .

قال : والصحيح من المذهب أنه يتناول هذا الاسم .

قال الزركشي في البحر : وفي هذا إشارة إلى رجوع الخلاف إلى اللفظ ، وبه صر‌ح إمام الحرمين في " التلخيص " حيث قال : وهو اختلاف في عبارة يهون موقعها عند ذوي التحقيق انتهى .

وبهذا تعرف أن التقليد بالمعنى المصطلح عليه لا يشمل ذلك ، وهو المطلوب .

قال ابن الدقيق العيد : إن قلنا إن الأنبياء لا يجتهدون ، فقد علمنا أن سبب أقوالهم الوحي ، فلا يكون تقليدا ، وإن قلنا إنهم يجتهدون ، فقد علمنا أن السبب أحد الأمرين : إما الوحي أو الاجتهاد ، وعلى كل تقدير ، فقد علمنا السبب ، واجتهادهم اجتهاد معلوم العصمة انتهى .

وقد نقل القاضي في التقريب الإجماع على أن الآخذ بقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والراجع إليه ليس بمقلد ، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث