الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 4410 ) مسألة قال : ( وإذا خرب الوقف ، ولم يرد شيئا ، بيع ، واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف ، وجعل وقفا كالأول ، وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو ، بيع ، واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد ) وجملة ذلك أن الوقف إذا خرب ، وتعطلت منافعه ، كدار انهدمت ، أو أرض خربت ، وعادت مواتا ، ولم تمكن عمارتها ، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه ، وصار في موضع لا يصلى فيه ، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه .

أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه ، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته . وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه ، بيع جميعه . قال أحمد ، في رواية أبي داود : إذا كان في المسجد خشبتان ، لهما قيمة ، جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه . وقال في رواية صالح : يحول المسجد خوفا من اللصوص ، وإذا كان موضعه قذرا . قال القاضي : يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه . ونص على جواز بيع عرصته ، في رواية عبد الله ، وتكون الشهادة في ذلك على الإمام

قال أبو بكر : وقد روى علي بن سعيد ، أن المساجد لا تباع ، وإنما تنقل آلتها . قال : وبالقول الأول أقول ; لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت ، فلم تصلح للغزو ، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر ، مثل أن تدور في الرحى ، أو يحمل عليها تراب ، أو تكون الرغبة في نتاجها ، أو حصانا يتخذ للطراق ، فإنه يجوز بيعها ، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو . نص عليه أحمد .

وقال محمد بن الحسن : إذا خرب المسجد أو الوقف ، عاد إلى ملك واقفه ; لأن الوقف إنما هو تسبيل المنفعة ، فإذا زالت منفعته ، زال حق الموقوف عليه منه ، فزال ملكه عنه . وقال مالك ، والشافعي : لا يجوز بيع شيء من ذلك ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يباع أصلها ، ولا تبتاع ، ولا توهب ، ولا تورث " . ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه ، لا يجوز بيعه [ ص: 369 ] مع تعطلها ، كالمعتق ، والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق

ولنا ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد ، لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة ، أن انقل المسجد الذي بالتمارين ، واجعل بيت المال في قبلة المسجد ، فإنه لن يزال في المسجد مصل . وكان هذا بمشهد من الصحابة ، ولم يظهر خلافه ، فكان إجماعا . ولأن فيما ذكرناه استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه ، بصورته ، فوجب ذلك ، كما لو استولد الجارية الموقوفة ، أو قبلها غيره

قال ابن عقيل : الوقف مؤبد ، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه ، يخصصه استبقاء الغرض ، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى ، وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان ، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض . ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر ، فإنه يذبح في الحال ، وإن كان يختص بموضع ، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية ، استوفي منه ما أمكن ، وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره ; لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية ، وهكذا الوقف المعطل المنافع

ولنا على محمد بن الحسن ، أنه إزالة ملك على وجه القربة ، فلا يعود إلى مالكه باختلاله ، وذهاب منافعه كالعتق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث