الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 340 ] فصل

التلبية سنة لا تجب ، وسبق أول الباب ، وتستحب عقب إحرامه ، جزم به بعضهم ، لما سبق ، وجزم بعضهم إذا ركب ، والمراد : واستوت به راحلته قائمة ; لأنه في الصحيحين من حديث ابن عمر ، ولفظ البخاري من حديث جابر وأنس : أهل . ونقل حرب : يلبي متى شاء ساعة يسلم وإن شاء بعد ، وعند الشافعية هي كالإحرام . وصفتها في الصحيحين عن ابن عمر { أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك ، والملك لا شريك لك } قال الطحطاوي والقرطبي : أجمع العلماء على هذه التلبية ، ويقول " لبيك إن . بكسر الهمزة عند أحمد ، قال شيخنا : هو أفضل عند أصحابنا والجمهور ، فإنه حكي عن محمد بن الحسن والكسائي والفراء وغيرهم ، وقاله الحنفية والشافعية ، وحكى الفتح عن أبي حنيفة وآخرين قال ثعلب : من كسر فقد عم يعني حمد لله على كل حال ، قال : ومن فتح فقد خص ، أي لأن الحمد لك أي لهذا السبب . ولبيك لفظه مثنى ، وليس بمثنى ، لأنه لا واحد له من لفظه ، ولم يقصد به التثنية بل للتكثير . والتلبية من لب بالمكان إذا أقام به ، أي أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة ، كما قالوا : حنانيك ونحوه ، والحنان الرحمة وعند يونس لفظها مفرد ، والياء فيها كالياء في عليك وإليك ولديك ، قلبت الباء الثالثة ياء استثقالا لثلاث باءات ، ثم ألفا لتحركها وانفتاح [ ص: 341 ] ما قبلها ، ثم ياء لإضافتها إلى مضمر ، كما في لديك ، ورده سيبويه بقول الشاعر : "

فلبي يدي مسور " بالياء دون الألف

مع إضافته إلى الظاهر ، وهي جواب الدعاء . والداعي قيل : هو الله ، وقيل : محمد ، وقيل : إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ( م 7 ) ولا تستحب الزيادة عليها ( هـ ) ولا يكره ، نص عليه ( و م ش ) لقول ابن عمر : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على ذلك . وزاد ابن عمر في آخرها لبيك لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والرغباء إليك والعمل . متفق عليه . وفي الموطإ وأبي داود في زيادته : { لبيك لبيك لبيك ، ثلاث مرات } . وزاد عمر ما زاده ابنه . متفق عليه وعنه أيضا : لبيك ذا النعماء والفضل الحسن ، لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك . رواه الأثرم وابن المنذر ولمسلم وأبي داود من حديث جابر كخبر ابن عمر ، .

[ ص: 342 ] والناس ذا المعارج ونحوه من الكلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا ، ولزم تلبيته . وعن أبي هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تلبيته لبيك إله الحق لبيك } حديث حسن ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ، وصححه ابن حبان والحاكم .

وفي الإفصاح لابن هبيرة : تكره الزيادة ، وقيل له : الزيادة بعدها لا فيها ، وللبخاري التلبية من حديث عائشة كابن عمر ، وليس فيه " والملك لا شريك لك " وقد نقل المروذي : كان في حديث ابن عمر { والملك لا شريك لك } فتركه لأن الناس تركوه ، وليس في حديث عائشة واستحب الشافعية إذا رأى ما يعجبه : لبيك إن العيش عيش الآخرة ، لرواية الشافعي عن مجاهد مرسلا : تلبية ابن عمر حتى إذا كان ذات يوم والناس ينصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد فيه ذلك ، وكذا ذكر الآجري إذا رأى ما يعجبه قال : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة . ويستحب أن يلبي عن أخرس ومريض ، نقله ابن إبراهيم ، قال جماعة : وجنون وإغماء ، زاد بعضهم : ونوم ، وقد ذكروا أن إشارة الأخرس المفهومة كنطقه . وتتأكد التلبية إذا علا نشزا أو هبط واديا أو لقي رفقة ، أو سمع ملبيا ، وعقيب مكتوبة ، أو أتى محظورا ناسيا ، وأول الليل والنهار ، أو ركب ، زاد في الرعاية : أو نزل ، وقاله الشافعية ، ولم يقيدوا الصلاة بمكتوبة . قال النخعي : كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة وإذا هبط واديا أو علا نشزا أو لقي ركبا أو استوت به راحلته . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي في حجته . [ ص: 343 ] كذلك ، ولم يذكر : إذا استوت به راحلته ، وزاد : ومن آخر الليل

، وعند مالك : لا يلبي عند لقاء الرفقة ، وفي المستوعب : يستحب عند تنقل الأحوال به ، وذكر كما سبق ، وزاد : وإذا رأى البيت . ويستحب رفع صوته بها ، لخبر السائب بن خلاد { أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية } أسانيده جيدة ، رواه الخمسة ، وصححه الترمذي ، ولأحمد من رواية ابن إسحاق { أن جبريل قال له كن عجاجا ثجاجا } والعج : التلبية ، والثج : نحر البدن . وعن ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق [ رضي الله عنه ] { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الحج أفضل ؟ قال : العج والثج } عبد الرحمن تفرد عنه ابن المنكدر ، قال الترمذي : ولم يسمع منه ، وقال : حديث غريب ، ومن رواه على غير ذلك فقد أخطأ عند أحمد والبخاري والترمذي .

وقال أحمد وابن معين في رواية مهنا : أصل الحديث معروف ، ويختلفون في إسناده . وكره مالك إظهارها في غير المساجد ، حكاه بعضهم ، وذكر ابن هبيرة أنهم اتفقوا على أن أظهارها مسنون في الصحاري ، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصارها ( هـ ) ذكره الأصحاب ، والمنقول عن أحمد : إذا أحرم في مصره .

[ ص: 344 ] لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز ، لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة : إن هذا لمجنون ، إنما التلبية إذا برزت واحتج القاضي وأصحابه بأن إخفاء التطوع أولى خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة ، بخلاف البراري وعرفات والحرم ومكة ، واحتج الشيخ بكراهة رفع الصوت في المسجد . وجديد قولي الشافعي كما سبق عن أبي حنيفة وجمهور أصحابه أن الخلاف في أصل التلبية ، فإن استحبت استحب إظهارها وإلا فلا ، وبعضهم في إظهارها وأنه إن لم يستحب ففي المساجد الثلاثة وجهان ، وذكر ابن هبيرة عن مالك وأحمد كقولنا ، وعند شيخنا : لا يلبي بوقوفه بعرفة ومزدلفة ، لعدم نقله ، كذا قال ، وكانت عائشة تتركها إذا راحت إلى الموقف ، وعن جعفر بن محمد أن عليا كان يقطعها إذ زاغت الشمس من يوم عرفة ، رواهما مالك ، ويأتي متى يقطعها . والإكثار منها ، لخبر سهل بن سعد { ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهنا } رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين ، وهو ضعيف عنهم ، وكذا الترمذي ، ورواه أيضا بإسناد جيد .

وعن جابر مرفوعا { ما من محرم يضحي لله يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه } إسناده ضعيف ، رواه أحمد وابن ماجه .

[ ص: 345 ] والدعاء بعدها ( م ) لخبر خزيمة : { إنه كان يسأل الله رضوانه والجنة ، ويستعيذ برحمته من النار } ، إسناده ضعيف ، رواه الشافعي والدارقطني . والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ( م ) لقول القاسم [ ابن محمد ] كان يستحب ذلك ، فيه صالح بن محمد بن زائدة ، قواه أحمد ، وضعفه الجماعة ، رواه الدارقطني ; ولأنه يشرع فيه ذكر الله كصلاة وأذان . ولا يستحب تكرار التلبية في حالة واحدة . قاله أحمد ، وقاله في المستوعب وغيره ، وقال له الأثرم : ما شيء يفعله العامة يكبرون دبر الصلاة ثلاثا ؟ فتبسم وقال : لا أدري من أين جاءوا به ، قلت : أليس يجزئه مرة ؟ قال : بلى ; لأن المروي التلبية مطلقا . واستحبه في الخلاف ، لتلبسه بالعبادة .

وقال الشيخ : حسن ، { فإن الله وتر يحب الوتر } . وعن ابن مسعود { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثا ، وإذا سأل سأل ثلاثا } . رواه مسلم ، ولأحمد وأبي داود { أنه كان يعجبه أن يدعو ثلاثا ويستغفر ثلاثا } . وللبخاري عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه } وفي الرعاية : يكره تكرارها في حالة واحدة ، كذا قال وتسن نسقا ، ومثلها التكبير دبر الصلاة في الأضحى والتشريق ، ذكره الشيخ ، ويعتبر أن تسمع امرأة نفسها بها ( و ) والسنة أن لا ترفع صوتها ، حكاه ابن عبد البر ( ع ) . ويكره جهرها أكثر من قدر سماع رفيقها ، خوف الفتنة ( و ش ) ومنعها في الواضح ، ومن أذان أيضا ، وعلى .

[ ص: 346 ] قولنا : صوتها عورة تمنع ، كبعض الشافعية ، وظاهر كلام بعض أصحابنا : تقتصر على إسماع نفسها ، وهو متجه ( و ش ) وفي كلام أبي الخطاب والشيخ والمستوعب وجماعة : لا ترفع إلا بقدر ما تسمع رفيقتها . ولا تشرع إلا بالعربية إن قدر ، كأذان وذكر وصلاة ، ولم يجوز أبو المعالي الأذان بغير العربية إلا لنفسه مع عجزه

التالي السابق


( مسألة 7 ) قوله في التلبية : هي جواب الدعاء ، والداعي قيل : هو الله تعالى وقيل محمد وقيل إبراهيم عليهما من الله أفضل الصلاة والسلام ، انتهى .

( قلت ) أكثر العلماء على أنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وقد قطع به البغوي وغيره من أهل التفسير .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث