الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ومكة أفضل من المدينة نصره القاضي وأصحابه وغيرهم ، وأخذه من رواية أبي طالب وقد سئل عن الجوار بمكة فقال : كيف لنا به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { إنك لأحب البقاع إلى الله ، وإنك لأحب [ ص: 490 ] البقاع إلي } ( و هـ ش ) وعنه : المدينة ، اختاره ابن حامد وغيره . قال في رواية أبي داود وسئل عن المقام بمكة أحب إليك أم بالمدينة فقال : بالمدينة لمن قوي عليه ، لأنها مهاجر المسلمين . قال القاضي : وظاهره أنها أفضل ; لأنه قدم المقام فيها ( و م ) . لنا عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي ابن الحمراء أنه { سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت } رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ، والترمذي وقال : حسن صحيح ، وهو كما قال ، وأرسله ابن عيينة عن الزهري ، ورواه الأكثر كما سبق ورواه يعقوب بن عطاء ومعمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، واختلف عن يونس ورواه ابن أخي الزهري عن عمه عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي ، ورواه حماد بن سلمة وأبو ضمرة عن محمد بن عمرو وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ورواه إسماعيل بن جعفر عن أبي سلمة مرسلا ، والصحيح الأول ، ذكر ذلك الدارقطني .

وقال الترمذي : ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وحديث الزهري أصح ، وروى أحمد والنسائي خبر أبي هريرة ، وأما قوله { وهي أحب أرض الله إلي } فرواه الحافظ ضياء الدين من حديث عنبسة : حدثني يونس وابن سمعان عن الزهري عن عروة عن عائشة ورواه أبو بكر من أصحابنا من حديث ابن الحمراء السابق ، ولا أحسبهما يصحان ، وللترمذي من حديث ابن عباس { ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ، ولولا [ ص: 491 ] أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك } وقال : حسن صحيح غريب . واحتج القاضي وابن البنا وابن عقيل وغيرهم بمضاعفة الصلاة فيه أكثر ، قال القاضي : وهو نص ; لأنه أخبر أن العمل فيها أفضل ولما سبق ، قالوا عن رافع مرفوعا { المدينة خير من مكة } رد : لا يعرف ، وحمله القاضي على وقت كون مكة دار حرب ، أو على الوقت الذي كان فيها والشرع يؤخذ منه ، وكذا لا يعرف { اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك } وقال القاضي : معناه بعد مكة ، ولمالك عن يحيى بن سعيد مرفوعا : { ما على الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها منها ، ثلاث مرات } وله وللبخاري ، أن عمر قال : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك . والجواب لأنهما هاجرا من مكة فأحبا الموت في أفضل البقاع بعدها ، ولهذا عن ابن عمر : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة قال : اللهم لا تجعل منايانا بها حتى تخرجنا منها } واحتجوا بأخبار صحيحة تدل على فضلها لا فضيلتها على مكة وبأنه عليه السلام خلق منها وهو خير البشر ، وتربته خير الترب ، وأجاب القاضي بأن فضل الخلقة لا يدل على فضل التربة ; لأن أحد الخلفاء الأربعة أفضل من غيره ، ولم يدل على أن تربته أفضل ، وكذا قال غيره : النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق ، ولا يلزم أن التربة أفضل ، قال في الفنون : الكعبة أفضل من مجرد الحجرة ، فأما ، وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة ; لأن بالحجرة جسدا لو وزن به

[ ص: 492 ] لرجح . فدل كلام الأصحاب رحمهم الله [ تعالى ] أن التربة على الخلاف ، وقال شيخنا : لم أعلم أحدا فضل التربة على الكعبة غير القاضي عياض ، ولم يسبقه أحد ، ولا وافقه أحد . وفي الإرشاد وغيره الخلاف في المجاورة فقط ، وجزموا بأفضلية الصلاة وغيرها ، واختاره شيخنا وغيره ، وهو أظهر ، وقال : المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان ، ومعنى ما جزم به في المغني وغيره أن مكة أفضل ، وأن المجاورة بالمدينة أفضل ، وذكر قول أحمد : المقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه ; لأنها مهاجر المسلمين .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم { لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا يوم القيامة } وهذا الخبر رواه مسلم من حديث ابن عمر ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث أبي سعيد ، ومن حديث سعد وفيهن " أو شهيدا " وفي حديث سعد { ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ، ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء } وعن ابن عمر مرفوعا { من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل ، فإني أشفع لمن مات بها } رواه أحمد وابن ماجه ، والترمذي وقال : حسن صحيح غريب ، وعن أبي هريرة مرفوعا { المدينة حرم ، فمن أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف } رواه مسلم . وتستحب المجاورة بمكة ، وكرهها أبو حنيفة ، وفي كلام أصحابه

[ ص: 493 ] المنع . لنا ما سبق ، قالوا : يفضي إلى الملل ولا يأمن المحظور فيتضاعف العذاب عليه ; ولأنه يضيق على أهله . وأبطل القاضي الملل بمسجده عليه السلام والنظر إلى قبره ووجهه في حياته ووجوه الصالحين فإنه يستحب وإن أدى إلى الملل ، ويقابل مضاعفة العذاب مضاعفة الثواب ، على أنا نمنع من علم وقوع المحظور ، ولا يفضي إلى الضيق ، كذا قال ، وفي بعضه نظر ، ولمن هاجر منها المجاورة بها ، وذكر الشيخ رواية أبي طالب : كيف لنا بالجوار بمكة ؟ وابن عمر كان يقيم بها . ومن كان باليمن وجميع البلاد ليس هم بمنزلة من يخرج ويهاجر ، أي لا بأس به ، ونقل حنبل : إنما كره عمر الجوار بمكة لمن هاجر منها فيحتمل أنه حكاه ولم يقل به ، ويحتمل القول به ، فيكون فيه روايتان . وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان أو زمان فاضل ، ذكره القاضي وغيره وشيخنا وابن الجوزي ، وذكر رواية ابن منصور : سئل أحمد : هل تكتب السيئة أكثر من واحدة ؟ قال : لا ، إلا بمكة ، لتعظيم البلد ، ولو أن رجلا بعدن وهم أن يقتل عند البيت أذاقه الله من العذاب الأليم . وذكر الآجري أن الحسنات تضاعف ، ولم يذكر السيئات . وسبق في آخر صلاة الجماعة في مضاعفة الصلاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث