الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيمن نذر هديا

جزء التالي صفحة
السابق

ويسن سوق الهدي من الحل ، ووقوفه بعرفة ، وتقليده بنعل أو عروة ، وإشعار البدن معه نص على ذلك بشق صفحة سنامها ، أو محله اليمنى ، وعنه : اليسرى ، وعنه : يخير حتى يسيل الدم .

وفي المنتخب : تقليد الغنم فقط ، وهو ظاهر الكافي ، وأنه يجوز إشعار غير السنام ، وذكره في الفصول عن أحمد .

وفي المستوعب والترغيب : تقليد البدن جائز .

وقال أحمد : البدن تشعر ، والغنم تقلد .

ونقل حنبل : لا ينبغي أن يسوقه حتى يشعره ، ويجلله بثوب أبيض ، ويقلده نعلا أو علاقة قربة ، سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والبقر . [ ص: 548 ] فقط مثلها ، ويتعين بقول : هذا هدي ، أو أضحية ، أو لله ، ونحوه ، وبالنية مع تقليد أو إشعار ، وعنه : أو شراء ، كشراء عرض للتجارة ، وفرق ابن شهاب وغيره بأن هنا يزول المالك ، ولا يزول بمجرد النية ، كذا قال .

وفي الكافي : إن قلده أو أشعره وجب ، كما لو بنى مسجدا وأذن للصلاة فيه ، ولم يذكر النية ، وهو أظهر ، ومن ذكرها قاس على هذه المسألة أيضا ، فدل على اعتبارها في الوقف عنده ، وأن الرواية في أنه لا يصح إلا بالقول هنا ، ولا يجب بسوقه مع نيته ، كإخراجه مالا للصدقة به ، للخبر فيه ، وقدم في المستوعب : لا يتعين إلا بقول ، وكذا في الرعاية ، وقال : وقيل : أو بالنية فقط ، وقيل : مع تقليد أو إشعار وهو سهو .

وفي الموجز والتبصرة : إن أوجبها بلفظ الذبح ، نحو : لله علي ذبحها ، لزمه وتفريقه على الفقراء ، وهو معنى قوله في عيون المسائل ، وإن قال : لله علي ذبح هذه الشاة ثم أتلفها ضمنها ، لبقاء المستحق لها ، وإن قال : لله علي أن أعتق هذا العبد ثم أتلفه لم يضمنه ; لأن القصد من العتق تكميل الأحكام ، وهو حق للعبد وقد هلك .

وتأتي المسألة في النذر ، ومتى تعين أحدهما فله نقل الملك فيه وشراء خير منه ، نقله الجماعة ، واختاره الأكثر ، وذكر ابن الجوزي أنه المذهب ، واحتج القاضي بأنه يجوز لو عطب ، وأنه يكره فسخ التعيين ، وعنه : يجوز لمن يضحي : وقيل : ومثله ، قال أحمد : ما لم يكن أهزل ، واختار في المنتخب . [ ص: 549 ] والخرقي والشيخ إبداله فقط ، وعنه : يزول ملكه ، اختاره أبو الخطاب ، قال : كما لو نحره وقبضه ، فعلى هذا لو عينه ثم علم عيبه لم يملك الرد ، ويملكه على الأول ، وعليهما إن أخذ أرشه فهل هو له ؟ أو كزائد عن القيمة ؟ على ما يأتي ، فيه وجهان وذكر في الرعاية : التصرف في أضحية معينة كهدي وجها ، وهو سهو .

ولو بان مستحقا بعد تعيينه لزمه بدله ، نقله علي بن سعيد ، ويتوجه فيه كأرش ، ويذبح الولد معه عينها حاملا أو حدث بعده ، وإن تعذر حمله وسوقه فكهدي عطب ، وله شرب فاضل لبنه ، وإلا حرم ، وله ركوبه لحاجة ، وعنه : مطلقا ، قطع به في المستوعب والترغيب وغيرهما ، بلا ضرر ، ويضمن نقصه ، . [ ص: 550 ] وظاهر الفصول وغيره : إن ركبه بعد الضرورة ونقص ، وله جز الصوف لمصلحة ويتصدق به ، زاد في المستوعب : ندبا .

وفي الروضة : يتصدق به إن كانت نذرا ، وإن ذبحه ذابح بلا إذن ونوى عن الناذر وفي الترغيب وغيره : أو أطلق ، وجزم به في عيون المسائل أجزأ ولا ضمان لإذنه عرفا أو إذن الشرع وإلا فروايتان في الإجزاء ( م 8 ) فإن لم يجزئ ضمن ما بين كونها حية إلى مذبوحة ، ذكره في عيون المسائل ، بخلاف من نذر في ذمته فذبح عنه من غنمه لا يجزئ ويضمن ، لعدم التعيين ، وقيل : يعتبر على رواية الإجزاء أن يلي ربها تفرقتها ، وإلا ضمن الأجنبي قيمة لحم ، وإن على عدم الإجزاء تعود ملكا . وقد ذكروا في كل تصرف غاصب . [ ص: 551 ] حكمي عبادة وعقد الروايات ، ولا ضمان على ربه قبل ذبحه وبعده ما لم يفرط ، نص عليه .

ولو فقأ عينه تصدق بأرشه .

ولو مرض فخاف عليه فذبحه فعليه ، ولو تركه فمات فلا ، قاله أحمد .

وإن فرط ضمن القيمة يوم التلف ، يصرف في مثله كأجنبي ، وقيل : أكثر القيمتين من الإيجاب إلى التلف .

وفي التبصرة [ : منه ] إلى النحر ، وقيل : من التلف إلى وجوب النحر ، وجزم به الحلواني ، فإن بقي من القيمة شيء صرف أيضا ، فإن لم يكن تصدق به ، وقيل : يلزمه شراء لحم يتصدق به .

وإن ضحى كل منهما عن نفسه بأضحية الآخر غلطا كفتهما ولا ضمان ، استحسانا .

والقياس ضدهما ، ذكره القاضي وغيره ، ونقل الأثرم وغيره في اثنين ضحى هذا بأضحية هذا يترادان اللحم ويجزئ ، وأخذ منه في الانتصار رواية الإجزاء السابقة ، وإن عطب قال جماعة : أو خاف ذلك لزمه ذبحه مكانه وأجزأه ، ويحرم عليه وعلى رفقته ، زاد في الروضة : ولا بدل عليه ، وأباحه في الخلاف والانتصار له مع فقره ، واختار في التبصرة إباحته لرفيقه الفقير . ويستحب غمس نعله في دمه وضرب صفحته بها ليأخذه الفقراء ، وكذا هدي التطوع العاطب إن دامت نيته فيه قبل ذبحه ، وإن تعيب المعين بغير فعله ذبحه وأجزأه ، نص عليه فيمن جر بقرنها إلى المنحر فانقلع ، كتعيينه معيبا فبرأ ، وعند القاضي : القياس لا ، وإن كان المعين عن واجب في الذمة فتعيب أو تلف أو ضل أو عطب لزمه بدله ، ويلزمه . [ ص: 552 ] أفضل مما في الذمة إن كان تلفه بتفريطه .

قال أحمد : من ساق هديا واجبا فعطب أو مات فعليه بدله ، وإن شاء باعه ، وإن نحره يأكل منه ويطعم ; لأن عليه البدل ، وكذا أطلقه في الروضة أن الواجب يصنع به ما شاء وعليه بدله ، وفي بطلان تعيين الولد وجهان .

وفي الفصول في تعيينه هنا احتمالان ( م 9 ) وليس له استرجاع المعيب والعاطب والضال الموجود ، على الأصح .

وإن ذبحه عما في ذمته فسرق سقط الواجب ، نقله ابن منصور ( ش ) ; لأن التفرقة لا تلزمه ، بدليل تخليته بينه وبين الفقراء ، قال في الخلاف والفصول : لأنه تعينت صدقته به ، كنذر الصدقة بهذا الشيء .

وقيل ذبحه لم يتعين ، بدليل أن له بيعه ، عندنا .

وتقدم قول أبي الخطاب ، كما لو نحره وقبضه .

وإن عين معيبا تعين ، وكذا عما في ذمته ، ولا يجزئه .

ويقدم ذبح واجب على نفل . .

[ ص: 549 ]

التالي السابق


[ ص: 549 ] ( مسألة 7 ) قوله : ومتى تعين أحدهما فله نقل الملك فيه وشراء خير منه وعنه : يجوز لمن يضحي ، وقيل : ومثله اختار في المنتخب والخرقي والشيخ إبداله فقط ، وعنه : يزول ملكه . فعلى هذا لو عينه ثم علم عيبه لم يملك الرد ، ويملكه على الأول ، وعليهما إن أخذ أرشه فهل هو له ؟ أو كزائد على القيمة ؟ على ما يأتي ، فيه وجهان ، انتهى : أحدهما حكمه حكم الزائد على قيمة الأضحية ، قدمه في المغني والشرح ، وهو الصواب . والوجه الثاني الأرش له ، قدمه في الرعاية ، وقيل : بل للفقراء ، وقيل : بل يشتري لهم به شاة ، فإن عجز فسهما من بدنة ، فإن عجز فلحما [ ص: 550 ]

( مسألة 8 ) قوله : وإن ذبحه ذابح بلا إذن ونوى عن الناذر وفي الترغيب وغيره : أو أطلق ، وجزم به في عيون المسائل أجزأ ولا ضمان ، لإذنه عرفا وإذن الشارع ، وإلا فروايتان [ في الإجزاء ] انتهى .

يعني إذا لم ينو إحداهما يجزئ مطلقا ولا ضمان عليه ، صححه الناظم ، وقدمه في الرعاية الكبرى ، قال ابن عبدوس في تذكرته : لا أثر لنية فضولي ، وقيل : يعتبر على هذه الرواية أن يلي ربها تفريقها ، وقال في القاعدة السادسة والسبعين : وأما إذا فرق الأجنبي اللحم فقال الأصحاب : لا يجزئ ، وأبدى ابن عقيل في فنونه احتمالا بالإجزاء ، ومال إليه ابن رجب وقواه .

والرواية الثانية لا يجزئ ، اختاره ابن رجب في قواعده ، وجعل المسألة رواية واحدة ، وأنزلهما على اختلاف حالين ، وأطلقهما في المستوعب والتلخيص الصغرى والحاويين والفائق وغيرهم . [ ص: 552 ] تنبيه ) : قوله : " ويلزمه أفضل مما في الذمة إن كان تلفه بتفريطه " ظاهره مشكل ، ومعناه إذا عين عما في الذمة أزيد مما في الذمة ثم تلف بتفريطه فإنه يلزمه مثل الذي تلف وإن كان أفضل مما كان في الذمة ، لأن الواجب تعلق بما عينه في الذمة ، وهو أزيد ، فلزمه مثله ، وهو أزيد مما في الذمة . صرح به في المغني والشرح وغيرهما .

( مسألة 9 ) قوله : وفي بطلان تعيين الولد وجهان .

وفي الفصول في تعيينه [ ص: 553 ] هنا احتمالان [ انتهى ] وأطلقهما الزركشي ، قال في المغني والشرح : إذا قلنا يبطل تعيينهما وتعود إلى مالكها احتمل أن يبطل التعيين في ولدها تبعا ، كما ثبت تبعا ، قياسا على نمائها المتصل بها ، واحتمل أن لا يبطل ويكون للفقراء ; لأنه تبعها في الوجوب حال اتصاله بها ، ولم يتبعها في زواله ; لأنه صار منفصلا عنها ، فهو كولد المبيع المعيب إذا ولد عند المشتري ثم رده لا يبطل المبيع في ولدها ، والمدبرة إذا قتلت سيدها فبطل تدبيرها لا يبطل في ولدها ، انتهى .

وقدم ابن رزين أنه يتبعها ( قلت ) : الصواب أنه لا يبطل تعيينه ; لأنه بوجوده قد صار حكمه حكم أمه ، لكن تعذر في الأم فبقي حكم الولد باقيا والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث