الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الأول في المزال

والحيوانات طاهرة كلها إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما .

فإذا ماتت فكلها نجسة إلا خمسة الآدمي والسمك والجراد ودود التفاح وفي معناه كل ما يستحيل من الأطعمة وكل ما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء وغيرهما فلا ينجس الماء بوقوع شيء منها فيه .

التالي السابق


( والحيوانات طاهرة كلها) لا يستثنى منها (إلا ثلاثة) أحدها (الكلب) لقوله عليه السلام: إنها ليست بنجسة يعني الهرة، ووجه الاستدلال منه مشهور ولأن سؤره نجس بدليل ورود الأمر بالإراقة في خبر الولوغ، ونجاسة السؤر تدل على نجاسة الفم، وإذا كان فمه نجسا كانت سائر أعضائه نجسة; لأن فمه أطيب من غيره ويقال: إنه أطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث [ ص: 315 ] (و) الثاني (الخنزير) ، وهو أسوأ حالا من الكلب فهو أولى بأن يكون نجسا من الكلب، قاله الرافعي، واستدل أئمتنا على نجاسته بقوله تعالى: أو لحم خنزير فإنه رجس ، والضمير للمضاف إليه لقربه، فإن قلت: المضاف إليه غير المقصود فلا يعود الضمير عليه نحو: رأيت ابن زيد وكلمته، قلت: عود الضمير إلى المضاف إليه شائع من غير نكير، نحو قوله تعالى: واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ، فإن قيل: الضمير عائد إلى جميع ما ذكر من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، أجيب بأنه أبعد من عوده إلى اللحم، وأما عين الكلب فإنه ليس بنجس عند أبي حنيفة ومالك، قال صاحب الهداية: لأنه ينتفع به حراسة واصطيادا، قال الأكمل: اختلفت الروايات في كون الكلب نجس العين، فمنهم من ذهب إلى ذلك. قال شمس الأئمة في مبسوطه: والصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، إليه يشير محمد في الكتاب في قوله: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير، وقال الرافعي في شرح الوجيز: إن الكلب والخنزير طاهران عند مالك، ويغسل من ولوغهما تعبدا (والثالث ما تولد منهما) أي من أحدهما أي الكلب والخنزير فإنه نجس أيضا بناء على نجاستهما، وقال الوالي العراقي في شرح البهجة: ويندرج تحت الفرع المتولد بينهما أو بين أحدهما وبين حيوان آخر (فإذا ماتت) أي الحيوانات (فكلها نجسة إلا خمسة الآدمي) لكرامته (والسمك والجراد ودود التفاح) وعبر المصنف في الوجيز بدود الطعام، وغيره بدود الخل، وفي كتب أصحابنا: بدود الجبن، وكل ذلك من باب واحد. قال الرافعي في شرح الوجيز: الأصل في الميتات النجاسة، قال الله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وتحريم ما ليس بمحرم وما فيه ضرر كالسم يدل على نجاسته، وتستثنى منه أنواع أحدها السمك والجراد، قال صلى الله عليه وسلم: أحلت لنا ميتتان ودمان، الحديث، ولو كانا نجسين لكانا محرمين .

الثاني: الآدمي، وفي نجاسته بالموت قولان أحدهما أنه ينجس بالموت; لأنه حيوان طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجسا كغيره، والثاني، وهو الأصح أنه لا ينجس لقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته، ولأنه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات، ولو كان كذلك لما أمر بغسله كسائر الأعيان النجسة، روي هذا الاستدلال عن ابن سريج قال أبو إسحاق عليه لو كان طاهرا لما أمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة. أجابوا عنه بأن قالوا: غسل نجس العين غير معهود، وأما غسل الطاهر معهود في حق الجنب والمحدث، على أن الغرض منه تكريمه وإزالة الأوساخ عنه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: ينجس بالموت ويطهر بالغسل، وهو خلاف القولين جميعا. .

(وفي معناه) أي دود التفاح (كل ما تستحيل إليه الأطعمة وكل ما ليس له نفس) بفتح فسكون (سائلة) أي جارية والمراد بالنفس هنا الدم، وهو من جملة معانيه، كما أوضحته في شرح القاموس (كالذباب والخنفساء) أما الذباب بالضم معروف وجمعه أذبة وذبان، وأما الخنفساء ففعلاء من الحشرات معروفة وضم الفاء أكثر من فتحها وهي ممدودة فيهما وتقع على الذكر والأنثى، وبعض العرب يقول في الذكر خنفس كجندب بالفتح ولا يمتنع الضم فإنه القياس وبنو أسد يقولون: خنفسة في الخنفساء كأنهم جعلوا الهاء عوضا من الألف، والجمع خنافس كذا في المصباح (وغيرهما) كالنملة وحمار قبان والبق والزنبور والعقرب كذا في شرح المحرر، وقال صاحب الهداية: والزنابير، قال الشارح: وإنما جمعها لكثرة أنواعها، قال الرافعي في شرح الوجيز: إيراد المصنف دود الطعام وحده يشعر بمغايرة حكمه لحكم ما ليس له نفس سائلة إشعارا بينا وليس كذلك بل من قال بنجاسة ما ليس له نفس سائلة صرح بأنه لا فرق بين ما يتولد من الطعام كدود الخل والتفاح وغيرهما وبين ما لا يتولد كالذباب والخنفساء، وقالوا: ينجس الكل، لكن لا ينجس الطعام الذي يموت فيه، ومن قال: لا ينجس ما ليس له نفس سائلة بالموت فلا يشك أنه يقول به في دود الطعام بطريق الأولى، فإذا قوله: وكذا دود الطعام طاهر على الصحيح، اختيار الطريقة القفال. ، ثم قال المصنف: (ولا ينجس الماء بوقوع شيء منها فيه) قال الرافعي: الحيوانات التي ليست لها نفس سائلة هل تنجس الماء إذا ماتت فيه؟ اختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيه، أحدهما نعم; لأنها [ ص: 316 ] ميتة فتكون نجسة كسائر النجاسات، والثاني، وهو الأصح، لا لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء. وقد يفضي المقل إلى الموت سيما إذا كان الطعام حارا فلو نجس الماء لما أمر به، وعن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل طعام وشراب وقعت فيه ذبابة ليس لها دم فهو الحلال أكله وشربه والوضوء منه. ولأن الاحتراز عنه مما يعسر، وهذا الخلاف في غير ما نشؤه في الماء، وأما ما نشؤه في الماء وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف، فلو طرح فيه من خارج عاد الخلاف، فإن قلنا: إنها تنجس الماء فلا شك في نجاستها، وإن قلنا: إنها لا تنجس فهل هي نجسة في نفسها؟ قال الأكثرون: نعم كسائر الميتات، وهو ظاهر المذهب، وقال القفال: لا; لأن هذه الحيوانات لا تستحيل بالموت; لأن الاستحالة إنما تأتي من قبل انحصار الدم واحتباسه بالموت في العروق واستحالته وتغيره، وهذه الحيوانات لا دم فيها وما فيها من الرطوبة كرطوبة النبات، وإذا عرفت ذلك ظهر لك أن هذه الحيوانات على ظاهر المذهب غير مستثناة من الميتات، وإنما الاستثناء على قول القفال .

وقال الأصفهاني في شرح المحرر: هذه الحيوانات إذا وقعت في ماء قليل أو مائع أو طعام لا تنجس في أصح القولين، وهو الجديد ومذهب أبي حنيفة لتعذر الاحتراز عنه خصوصا في فصل الصيف لعموم البلوى، والقول الثاني إنه ينجس هو القياس; لأن نجاستها كسائر النجاسات، وأمره صلى الله عليه وسلم بغمس الذباب وطرحه ليس بموجب مطلقا، غايته الاحتمال في بعض الأحوال، وإنما أمرهم بذلك قطعا لهم عن عادتهم; لأنهم كانوا يستقذرون طعاما يقع فيه الذباب، وقوله أي صاحب المحرر: ويستثنى مما ذكر ميتة ليس لها نفس سائلة، صريح بنجاستها، وهو المختار عند المحققين من الفريقين، ولا التفات إلى قول من قال: إن علة النجاسة في الميتة احتباس الدم المعفن في الباطن .

قلت: وعلل أصحابنا فيما ليس له دم سائل كالبق والذباب والعقرب بما تقدم من تعليل الرافعي بحديث مقل الذباب، ولولا أن موته لا بأس به لم يأمر صلى الله عليه وسلم بغمسه الذي هو في العادة سبب لموته. قال ابن المنذر: ولا أعلم في ذلك خلافا إلا ما كان أحد قولي الشافعي كذا في شرح النقاية، ثم إن في سياق المصنف تنبيها على أنه لا فرق بين القليل والكثير وبين ما يعم وقوعه كالذباب أو نادرا كالعقرب. قال الأصفهاني: وهذا إذا لم يتغير الماء منها، فإذا تغير ففيه وجهان أصحهما الحكم بالنجاسة وهو القياس، والثاني لا، قياسا على ما تغير بالسمك، ورأيت بخط الإمام النووي في حاشية شرح الوجيز ما نصه قلت: ولو كثرت الميتة التي لا نفس لها سائلة فغيرت الماء أو المائع، وقلنا: لا تنجسه من غير تغير فوجهان مشهوران الأصح تنجسه; لأنه متغير بالنجاسة والثاني لا ينجسه، ويكون الماء طاهرا غير مطهر كالمتغير بالزعفران، وقال إمام الحرمين: هو كالمتغير بورق الشجر، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث