الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء ؛ تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء ؛ فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء .

التالي السابق


(وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال) والعظمة (والكبرياء؛ تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلا؛ فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء) ويدل لذلك قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده لأن ذكر العبودية في وصف من الله فوقه يؤكد احتمال فوقية القهر والاستيلاء، وقد ذكر المصنف في الاقتصاد سر الإشارة [ ص: 105 ] بالدعاء إلى السماء على وجه فيه طول، فراجعه.فإن قيل: نفيه عن الجهات الست إخبار عن عدمه؛ إذ لا عدم أشد تحقيقا من نفي المذكور عن الجهات الست، وهذا سؤال سمعه محمود بن سبكتكين من الكرامية، وألقاه على ابن فورك.

قلت: النفي عن الجهات الست، لا يكون ذلك إخبارا عن عدم ما، لو كان لكان في جهة من النافي، لا نفي ما يستحيل أن يكون في جهة منه، ألا ترى أن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارا عن عدمه؛ لأن نفسه ليست بجهة منه، وأما قول المعتزلة: القائمان بالذات يكون واحد منهما بجهة صاحبه لا محالة، فالجواب عنه: هذا على الإطلاق أم بشريطة أن يكون كل واحد منهما محدودا متناهيا، الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن الباري تعالى يستحيل أن يكون محدودا متنافيا .



(تنبيه)

هذا المعتقد لا يخالف فيه بالتحقيق سني، لا محدث ولا فقيه ولا غيره، ولا يجيء قط في الشرع على لسان نبي التصريح بلفظ الجهة، فالجهة بحسب التفسير المتقدم منفية معنى ولفظا، وكيف لا والحق يقول: ليس كمثله شيء ؟ ولو كان في جهة بذلك الاعتبار لكان له أمثال، فضلا عن مثل واحد، وما نقله القاضي عياض من أن المحدثين والفقهاء على الجهة ليس المعنى ما قام القاطع بخلافه، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تعالى في جهة كذا، تعالى الله عن ذلك، لكن لما ثبت سمعا قرآنا: الرحمن على العرش استوى ، وهو القاهر فوق عباده ، يخافون ربهم من فوقهم ، وسنة: حيث قال -صلى الله عليه وسلم- للسوداء: "أين الله؟"، فأشارت نحو السماء، فقال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة". إلى غير ذلك من الظواهر، وكان أصلهم ثبوت المعتقدات من السمع؛ فاعتقدوا أن هناك صفة تسمى بالاستواء على العرش، لا تشبه استواء المخلوقين، وصفة أخرى تسمى بفوق، أي: فوق عباده، أي: العرش ومن دونه، الله أعلم بذلك الاستواء، وأعلم بتلك الفوقية، بهذا صرح الإمام أحمد بن حنبل على ما نقل عنه المقدسي في رسالة الاعتقاد: واعلم أن المنظور إليهم إنما هم الأئمة القدوة والعلماء الجلة، ولا عبرة بالمقلدة الواقفة على ظاهر المنقول، الذين لم يفرقوا بين المحكم منه والمتشابه، وسيأتي تمام البحث فيه في الأصل الذي يليه، وأما الصوفي فيقول: محال أن يكون الباري في جهة؛ إذ تلك الجهة إما أن تكون غيره أو لا، فإن لم تكن غيره فلا جهة، وإن كانت غيره فإما قديمة أو حادثة، والجميع باطل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "كان الله ولا شيء معه".



(تكميل)

ذكر الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن المنير الإسكندري المالكي في كتابه "المنتقى في شرف المصطفى" لما تكلم على الجهة وقرر نفيها، قال: ولهذا أشار مالك - رحمه الله تعالى- في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تفضلوني على يونس بن متى"، قال مالك: إنما خص يونس بالتنبيه على التنزيه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم- رفع إلى العرش ويونس -عليه السلام- هبط إلى قاموس البحر، ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق -جل جلاله- نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان -عليه السلام- أقرب من يونس بن متى وأفضل، ولما نهى عن ذلك، ثم أخذ الإمام ناصر الدين يبدي أن الفضل بالمكانة; لأن العرش في الرفيق الأعلى، فهو أفضل من السفلي، فالفضل بالمكانة، لا بالمكان، هكذا نقله السبكي في رسالة الرد على ابن زفيل.




الخدمات العلمية