الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الأصل الخامس .

أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه خلافا للمعتزلة ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك ، فقالوا : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه ، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه ؟! وهل هذا إلا محال وجوده .

التالي السابق


(الأصل الخامس)

(أن يجوز على الله) سبحانه عقلا (أن يكلف الخلق بما لا يطيقونه) ، والدليل عليه أن الخلق خلقه والملك ملكه، وللفاعل المالك أن يتحكم في ملكه لحق مشيئته فيما ليس عليه حجر (خلافا للمعتزلة) كلهم، ولبعض الأشاعرة والماتريدية كلهم، كما سيأتي بيان ذلك، ثم استدل المصنف عليه فقال: (ولو لم يجز ذلك) أي: تكليف العبد بما لا يطيقه (لاستحال سؤال دفعه) قياسا على سؤال الرؤية من موسى عليه السلام (وقد سألوا ذلك، فقالوا: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) وإنما يستعاذ عما وقع في الجملة، (و) دليل آخر على ذلك نقول: (لأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أبا جهل) عمرو بن هشام القرشي لا يصدقه (ثم أمره بأن يصدقه في جميع أقواله) ، وثم هنا للترتيب الذكري; لأن كون أمر أبي جهل بالتصديق بعد الإخبار بعدم إيمانه لا يظهر له مستند، فضلا عن كونه متراخيا عن الإخبار، وفي كلام الآمدي وغيره: أبو لهب، بدل أبي جهل (وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه؟! وهل هذا إلا مجال [ ص: 181 ] وجوده) .

وفي محجة الحق لأبي الخير القزويني: فإن الله تعالى كلف أبا لهب الإيمان بالقرآن، ومن جملة ما أنزل في القرآن أنه لا يؤمن، في قوله تعالى: سيصلى نارا ذات لهب ، فكأنه كلفه الإيمان بأنه لا يؤمن، وأيضا فإن فائدة التكليف بيان أمارة الثواب والعقاب، ولا استحالة في جعل امتناع ما لا يطاق أمارة العقاب. اهـ .

وأيضا فتحصيل الإيمان مع العلم بعدمه أمر يجمع الوجود والعدم; لاستحالة وجود الإيقان مع العلم ضرورة أن العلم يقتضي المطابقة، كما في المطالب العلية، وقال ابن التلمساني: وأقرب ما يدل على جوازه أن الله تعالى كلف الكفار بالإيمان بالإجماع، وقد علم من بعضهم عدم الإيمان، وأخبر بذلك، ومع ذلك فيمتنع وقوع الإيمان منهم، إذ لو وقع للزم انقلاب العلم جهلا، ولزم الخلف واجتماع الضدين، ولا فرق بين المستحيل لنفسه والمستحيل لغيره. اهـ .

وفي النوادر للإمام أبي الحسن الأشعري: تكليف ما لا يطاق جائز، وإن الله لو أمر عبده بالجمع بين الضدين لم يكن سفها ولا مستحيلا .

وفي الإرشاد لإمام الحرمين: فإن قيل: ما جوزتموه عقلا من تكليف المحال هل اتفق وقوعه شرعا؟ قلنا: عند شيخنا ذلك واقع شرعا; فإن الرب تعالى أمر أبا لهب بأن يصدق ويؤمن به في جميع ما يخبر عنه، وقد أخبر عنه بأنه لا يؤمن، فقد أمره أن يصدقه بألا يصدقه، وذلك جمع بين النقيضين. ومثله في المطالب العلية للرازي، فهذه أدلة الأشاعرة، والمسألة مختلف فيها، فالذي رواه الحافظ أبو محمد الحارثي في الكشف، والظهير المرغناني، وحافظ الدين الكردري، وأبو عبد الله الصيمري، كلهم في المناقب من رواية يوسف بن خالد السمتي أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه قال: والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون، ولا أراد منهم ما لا يعلمون .

وفي عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي: ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به.

فهذه النصوص صريحة في عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وعليه جمهور المعتزلة، واختاره الإمام أبو إسحق الإسفراييني، كما في التبصرة وغيرها، وأبو حامد الإسفراييني ، كما في شرح السبكي لعقيدة أبي منصور، وقد تقدم في أول الكتاب قول ابن السبكي:


قالوا وليس بجائز تكليف ما لا يستطاع فتى من الفتيان وعليه من أصحابنا شيخ العراق
وحجة الإسلام ذو الإتقان

ثم قال: مسألة تكليف ما لا يطاق وافقهم من أصحابنا الشيخ أبو حامد الإسفراييني ، شيخ العراقيين، وحجة الإسلام الغزالي، وابن دقيق العيد. اهـ .

قلت: وأبو القاسم القشيري، كما رأيته في رسالته، اعتقاد السنة، من تأليفه، وذكر ابن السبكي حجة الإسلام الغزالي من الموافقين محل تأمل، فإنك ترى أنه على ظاهر كلام الأشاعرة ولم يخالفهم، ولعله في كتاب آخر غير هذه العقيدة، ولنا من النقل قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، أي: طاقتها، ووجه الدلالة أنه لو جاز التكليف به لجاز كذب هذا الخبر، وهو محال، فالملزوم مثله، كما في التلويح، ومن العقل أن تكليف العاجز بالفعل سفه في الشاهد، كتكليف الأعمى النظر، فكذا في الغائب، ولأن فائدة التكليف الأداء، كما هو مذهب المعتزلة، أو الابتلاء، كما هو مذهبنا، وهذا لا يتصور فيما لا يطاق، أما الأداء فظاهر، وأما الابتلاء فكأنه إذا كان بحال لا يتصور وجوده لا يتحقق معنى الابتلاء، وهو إنما يتحقق في أمر لو أتى به يثاب عليه، ولو امتنع يعاقب عليه، وذا فيما يتصور وجوده، لا فيما يمتنع وجوده، وقوله تعالى: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، استعاذة عن تحميل ما لا يطاق، نحو أن يلقي عليه جدارا أو جبلا لا يطيقه; تعذيبا، فيموت به، ولا يجوز أن يكلفه تحمل جبل، بحيث لو فعل يثاب عليه، ولو امتنع يعاقب عليه; لأنه يكون سفها، وقوله تعالى: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، مع عدم علمهم بذلك، ليس بتكليف بالإنباء، بل هو خطاب تعجيز، وهو عبارة عن توجيه صيغة الأمر بما يظهر عجز المخاطب، وهو ليس بأمر حقيقة عند المحققين، وهذا كأمر الله تعالى المصورين بإحياء الصور يوم القيامة; فإنه ليس بتكليف، بل هو نوع تعذيب لهم; وهذا لأنه يكون في دار الآخرة، وهي ليست بدار تكليف، بل هي دار جزاء، والكلام في تكليف ما لا يطاق .

وقولهم: كلف أبا جهل بالإيمان وعلم أنه لا يؤمن، وخلاف ما هو معلوم الله [ ص: 182 ] تعالى محال; فكان تكليف ما لا يطاق، إذ لو قدر على الإيمان لقدر على تغيير علمه، وهو محال. قلنا: المحال ما لا يمكن تقدير وجوده في العقل، والجائز ما يمكن تقدير وجوده في العقل، وعلم الله تعالى بعدم الشيء الممكن في ذاته لا يجعله ممتنعا لذاته، ولا يمنعه عن أن يكون مقدور قادر; لأنه إنما يقدر وجود الشيء وعدمه بالنظر إلى ذاته، لا بالنظر إلى علمه، ألا ترى أنا نقول: العالم جائز الوجود; مع علمنا بأن الله تعالى علم وجوده; لأنه بالنظر إلى ذاته جائز الوجود والعدم، ولو جاز أن يصير الشيء واجب الوجود لعلمه تعالى بوجوده، أو ممتنع الوجود; لعلمه تعالى أنه لا يوجد، لم يكن لما هو جائز الوجود تحقق، وبطل تقسيم العقلاء بالواجب والجائز والممتنع .

وقد قالوا: لا نزاع في الممتنع لغيره، وإنما النزاع في الممتنع لذاته، كذا في شرح العمدة للنسفي، وقال القونوي في شرح عقيدة الطحاوي: وقد نقل عن أبي الحسن الأشعري أنه جائز عقلا، ثم تردد أصحابه أنه هل ورد الشرع به؟ فمن قال بوروده احتج بأمر أبي لهب بالإيمان; فإنه تعالى أخبر أنه لا يؤمن، وأنه سيصلى النار، ثم كان مأمورا بالإيمان بجميع ما أخبر الله تعالى، ومن جملته أن يؤمن بألا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وكذا أخبر أنه سيصلى النار، وعلم به، ولو آمن لما كان ممن يصلى النار، وكان الأمر بالإيمان أمرا بالجهل والكذب، وذلك محال، فكان ذلك أمرا بما يستلزم المحال .

والجواب: إن كان الأمر بالإيقان وبتصديق الله تعالى في خبره أنه لا يؤمن أمرا بالجمع بين الضدين، فلا نسلم بأنه مأمور بذلك، وأنه عين النزاع، ثم نقول: خلاف معلوم الله تعالى وخلاف خبره، وإن كان مستحيل الوقوع بالنسبة إلى العلم، والخبر كالجمع بين الضدين، ولكنه ممكن مقدور في نفسه، ولا منافاة بين القولين; لأن معنى قولنا: إنه ممكن مقدور في نفسه: أن القدرة صالحة له، ولا تتقاصر عنه القدرة حسب قصور القدرة عن الجمع بين الضدين، ثم ما علم الله تعالى وأخبر أنه لا يقع، لا يقع قطعا، كاجتماع الضدين، غير أن اجتماع الضدين لم يقع; لاستحالته في نفسه، لا لتعلق العلم والخبر بعدم وقوعه، وخلاف ما علم أو أخبر لم يقع أيضا; لا لاستحالته في نفسه، بل لتعلق العلم والخبر بعدم وقوعه، ثم إنه تعالى لا يعاقب أحدا على ما علم منه دون وقوعه منه فعلا وكسبا، وقد وقع في علم الله تعالى أن أبا لهب مستوجب النار بكفره، فكان التكليف في حقه فتنة والتزاما بالحجة، وفي حق المطيعين رأفة ورحمة ونعمة. اهـ .

وفي أمالي الإمام أبي حنيفة: والله لا يعاقبهم بما لم يعلموا، ولا يسألهم عما لم يعلموا، ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم، والله يعلم بما فيه. وفي الفقه الأكبر: يعلم من يكفر في حال كفره كافرا، وإذا أخر بعد ذلك علمه علمه مؤمنا في حال إيمانه وأمنه. اهـ .

وفيه إشارة إلى أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو مقدور الوقوع في زمان وجوده وتحصيله، بمعنى ترتب العقاب على تركه; فإن العقاب لا يليق في الحكمة إلا على ما يتمكن العبد من العلم به وتحصيله والقدرة عليه، فلا يكلف العباد ما لا يطيقون، ولا يطلب دفعه على الحقيقة، وسؤال دفعه بمعنى طلب الإعفاء عما يشق، أو عن العقوبة، وإليه أشار بقوله: ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم; وإلى منع وقوع التكليف بمعنى ترتب العقاب على الترك بما لا يمكن ولا يعلم إيقاعه، كجمع النقيضين، فلا تكليف به في تكليف أبي لهب بالإيمان; لأنه قبل الإخبار بعدم إيمانه مكلف بالإيمان الإجمالي، فلا يلزم جمع النقيضين أصلا، وكذا بعد الإخبار بعدم إيمانه; إذ غاية ما نزل في حقه: سيصلى نارا ذات لهب ، وهو لا ينفي إيمانه، لجواز أن يحمله على تعذيب المؤمن لنفسه، ولو سلم فهو كإخباره نوحا بقوله: لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، وحينما علم ذلك وحقت كلمة العذاب امتنع التكليف لعدم الفائدة، كما في مرصاد الأفهام للبيضاوي، واختاره العضد في شرح المختصر، وإلى أن علم الله بعدم الإيمان لا يمنع صرف قدرة العبد واختياره إليه، ويتعلق الأمر به، بمعنى صرف القدرة والاختيار إليه; لإمكانه في نفسه، وصحة تعلق قدرته بالقصد إليه، كما في التوضيح; فلا يستلزم الأمر بتحصيله مع العلم بعدمه الأمر بجمع الوجود والعدم .

وقال الملا علي في شرح الفقه الأكبر: الاستطاعة صفة يخلقها الله تعالى عند اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، وقد يراد به سلامة الأسباب [ ص: 183 ] والآلات والجوارح، وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة التي هي سلامة الأسباب والآلات، لا بمعنى الأول، مع أن القدرة صالحة للضدين عند أبي حنيفة، حتى إن القدرة المصروفة إلى الكفر هي بعينها القدرة التي تصرف إلى الإيمان، لا اختلاف إلا في التعلق، وهو لا يوجب الاختلاف في نفس القدرة; فالكافر قادر على الإيمان المكلف به، إلا أنه صرف قدرته إلى الكفر، وضيع باختياره صرفها إلى الإيمان; فاستحق الذم والعقاب من هذا الباب، وأما ما يمتنع بالغير بناء على أن الله تعالى علم خلافه، أو أراد خلافه، كإيمان الكافر وطاعة العاصي، فلا نزاع في وقوع التكليف به; لكونه مقدور المكلف، بالنظر إلى نفسه، فليس التكليف به تكليفا بما ليس في وسع البشر; نظرا إلى ذاته، ومن قال: إنه تكليف بما ليس في وسع البشر; فقد نظر إلى ما عرض له من تعلق عمله تعالى وإرادته بخلافه، وبالجملة لو لم يكلف العبد به لم يكن تارك المأمور عاصيا; فلذا عد مثل إيمان الكافر، وطاعة الفاسق، من قبيل المحال; بناء على تعلق علمه وإرادته بخلافه، وهو عندنا من قبيل ما يطاق; بناء على صحة تعلق القدرة الحادثة في نفسه، وإلا لم يوجد عقيبه، وهذا نزاع لفظي عند أرباب التحقيق، والله ولي التوفيق. اهـ .



(تنبيه)

وعلى القول بتجويز تكليف ما لا يطاق، كما هو مذهب المصنف، يسقط إيراد من أورد عليهم من المعتزلة أنه إذا كان لا يقع في الوجود إلا مراده، وقد أمر العبد بما لم يرد وقوعه، فقد كلفه بما لا يقدر على فعله، وتكليفه بذلك ثم عقابه على عدم فعله في التحقيق ليس إلا إرادة تعذيبه ابتداء بلا مخالفة، وهذا أيضا في نظر العقل غير لائق، فيجب تنزيه الله تعالى عن ذلك، ومحصل الجواب أن هذا غير وارد من أصله; لأنهم قد يجوزون عقلا ما استبعدتموه .

قال ابن الهمام: وعلى القول بأنه - وإن جاز عقلا- فهو غير واقع، وهو الراجح من القولين لهم; فالتحقيق أن عقابه إنما هو على مخالفته مختارا غير مجبور; فإن تعلق الإرادة بمعصيته لم يوجبها منه، ولم يسلب اختياره فيها، ولم يجبره على فعلها، بل لا أثر للإرادة في شيء منه، فكما أنه كلف من علم منه عدم الامتثال فوقع منه ما علمه كسائر الكفرة، فلم يبطل ذلك معنى التكليف، ولم ننسب إليه ظلما بذلك اتفاقا; لعدم تأثير العلم في إيجاد ذلك الكفر المعلوم، وفي سلب اختيار المكلف في إتيانه بذلك، وإن كان لا يوجد إلا معلومه، فكذا التكليف بما تعلقت به الإرادة بخلافه إذا كانت الإرادة لا أثر لها في الإيجاد، كالعلم، والتأثير في الإيجاد خاصية القدرة دون العلم والإرادة، إلا أنها إنما تؤثر على وفق الإرادة، والعلم الإلهي متعلق بأن ستكون كذلك، ثم يوجد ما يوجد باختيار المكلف على طبق تلك الإرادة; متأثرا عن قدرة الله تعالى، والله أعلم .



(فصل)

قد أورد المصنف في إثبات هذا الأصل دليلين عقليين، الأول: استحالة سؤال الدفع، والثاني: بيان حال أبي جهل، وقد تقدم الجواب عنهما، وقرر ابن الهمام في نقضهما على طبق ما ذكرنا، فلنورد سياقه; لما فيه من الإشارات ما لم يتقدم ذكرها; تكثيرا للفائدة:

قال في نقض الدليل الأول: لا يخفى أنه ليس دالا في محل النزاع، وهو التكليف، إذ عند القائلين بامتناعه يجوز أن يحمله جبلا فيموت; إظهارا لعجزه، أما عند المعتزلة فبناء على جواز أنواع الإيلام للعبد بقصد العوض وجوبا، وأما عند الحنفية فتفضلا بحكم وعده الصادق بالجزاء على المصاب، ولا يجوز أن يحمل جبلا بحيث إذا لم يفعل يعاقب; قال تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وعن هذا النص ذهب المحققون ممن جوزه عقلا من الأشاعرة إلى امتناعه سمعا، وإن جاز عقلا، وإيراد الحنفية لهذا النص لإبطال الدليل الثاني، فإنه لو صح بجميع مقدماته لزم وقوعه، وهو خلاف صريح النص، لا على الاستدلال به على عدم جوازه منه تعالى; لأن ذلك بحث عقلي مبني على أن العقل يستقل بإدراك صفة الكمال وضدها، فهذا نقض إجمالي; إذ لم يرد على مقدمة مبينة، ويوضح ذلك أن المستحيل ثلاثة أنواع: مستحيل لذاته، وهو المحال عقلا، كجمع النقيضين والضدين، ومستحيل عادة لا عقلا، كالطيران من الإنسان، والتكليف بحمل الجبل، ومستحيل لتعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه، أو إخبار الله تعالى بعدم وقوعه، كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، أو من أخبر الله تعالى [ ص: 184 ] بأنه لا يؤمن، والمراد بما لا يطاق هو المستحيل لذاته، أو في العادة، أما المستحيل باعتبار سبق العلم الأزلي بعدم وقوعه; لعدم امتثاله مختارا، فهو مما يدخل تحت قدرة العبد عادة بلا خلاف في وقوعه، كتكليف أبي جهل وإضرابه بالإيمان مع العلم بعدم إيمانه، والإخبار به; لأنه لا أثر للعلم في سلب قدرة المكلف، ولا في جبره على المخالفة. اهـ .



استطراد

خلف عبارة ابن الهمام: قال الملا علي في شرح الفقه الأكبر: مراتب ما ليس في وسع البشر إتيانه ثلاث، أقصاها أن يمتنع بنفس مفهومه، كجمع الضدين، وقلب الحقائق، وإعدام القديم، وهذا لا يدخل تحت القدرة القديمة، فضلا عن الحادثة، وأوسطها ألا تتعلق بها القدرة الحادثة أصلا، كخلق الأجسام، أو عادة، كحمل الجبل والصعود إلى السماء، وأدناها أن يمتنع لتعلق علمه سبحانه أو إرادته بعدم وقوعه، وفي جواز التكليف بالمرتبة الأولى تردد، ولا نزاع في عدم الوقوع، وجواز الثانية مختلف فيه، ولا خلاف في عدم الوقوع، ووقوع الثالثة متفق عليه، فضلا عن جوازها. اهـ .

وزاده وضوحا صاحب إشارات المرام، فقال: وتحرير محل النزاع أن ما لا يطاق عندهم إما أن يكون ممتنعا لذاته، أو لغيره، بأن يكون ممكنا لنفسه، لكن لا يجوز وقوعه عن المكلف; لانتفاء شرطه، أو لا يجوز وقوعه عنه; لوجود مانع عنه من علم الله تعالى أنه لا يقع، أو إخباره بذلك، ولا نزاع في وقوع التكليف بالقسم الأخير لتكليف العصاة والكفار، لكنه ليس تكليفا بما لا يطاق عندنا; لأن العبد قادر على القصد وصرف الاختيار إليه، والإخبار بالشيء تابع للعلم التابع للمعلوم في الماهية، وأما القسمان الأولان فجمهورهم على عدم وقوع التكليف بهما، والآيات ناطقة به، ويجوز عند بعضهم، وقال بعضهم بجواز التكليف بالقسم الثاني دون الأول، وبعضهم بوقوعه بما يرجع إلى القسم الأول، كما ذكره الآمدي وغيره، فلا إجماع على عدم التكليف به، كما قيل، ولا ينحصر الجواز عندهم على الثاني، بل صرح البيضاوي في مرصاد الأفهام بأنه إنما النزاع في الممتنع لذاته، وليس منسوبا إلى الأشعري، لقوله بعدم تأثير قدرة العبد، والله أعلم .




الخدمات العلمية