الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الأول في المزال

إلا ما هو مادة الحيوان كالمني .

التالي السابق


ثم قال المصنف: (إلا ما هو مادة الحيوان) استثني من المستحيلات ما كان يستمد منه الحيوان (كالمني) كغني هو ماء الرجل فعيل بمعنى مفعول والتخفيف لغة، قال صاحب المصباح: مني الرجل يجري في ذكره في مجرى، والبول في مجرى، والودي في مجرى، ولا يلابس مجرى البول إلا في رأس الذكر كذا قاله الأطباء، ولا ينجس بهذه الملامسة، فإن اللبن يجري من بين فرث ودم ولا ينجس فكذلك المني .

قلت: وهذا على القول بطهارته، كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وخالفه مالك وأبو حنيفة فقالا بنجاسته، قال الرافعي: المني قسمان مني الآدمي ومني غيره، فأما مني الآدمي فهو طاهر لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه، وفي رواية وهو في الصلاة، والاستدلال بها أقوى ولأنه مبدأ خلق الآدمي فأشبه التراب، فإن قيل: هو منقوض بالعلقة والمضغة قلنا: أصح الوجهين فيهما الطهارة أيضا، وحكى بعضهم عن صاحب التلخيص قولين في مني المرأة، وحكى آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان، وهذا أقوى النقلين عنه، ووجه القول بنجاسة المني، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: يغسل الثوب من البول والمذي والمني، وبما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: اغسليه رطبا وافركيه يابسا، وإذا نصرنا ظاهر المذهب حملناهما على الاستحباب جمعا بين الأخبار، والمذهب الأول، وهو طهارة المني من الرجل والمرأة نعم قال الأئمة: إن قلنا: إن رطوبة فرج المرأة نجسة نجس منيها بملاقاتها ومجاورتها ليس ذلك لنجاسة المني في أصله بل هو كما لو بال الرجل ولم يغسل ذكره، فإن منيه ينجس بملاقاة المحل النجس، وأما مني غير الآدمي فينظر إن كان ذلك الغير نجسا فهو نجس، وإن كان طاهرا ففيه ثلاثة أوجه أظهرها أنه نجس; لأنه مستحيل في الباطن كالدم، وإنما حكمنا بطهارته من الآدمي تكريما له والثاني أنه طاهر; لأنه أصل حيوان طاهر فأشبه مني الآدمي، والثالث أنه طاهر من المأكول نجس من غيره كاللبن . قال النووي في الروضة: الأصح عند المحققين والأكثرين الوجه الثاني، والله أعلم .

(تنبيه)

قال الشمني في شرح النقاية: المني نجس عندنا، وعند مالك سواء كان مني الرجل أو مني المرأة، لكن عندنا يجب غسله وفرك يابسه وهو رواية عن أحمد، وعن الشافعي، وهو المشهور من قول أحمد أنه طاهر; لأنه أصل أولياء الله تعالى، ولما روى الدارقطني والطبراني عن ابن عباس سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب فقال: إنما هو بمنزلة المخاط أو البزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة، ولنا ما روى مسلم عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبي فغمستهما فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها فبعثت إلي عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قلت: رأيت ما يرى النائم، ثم قالت: هل رأيت بثوبك شيئا؟ قلت: لا، قالت: لو رأيت شيئا غسلته لقد رأيتني وإني لأحك من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري، وروى الدارقطني والبزار عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفرك من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا، وروى ابن أبي شيبة أن رجلا سأل عمر رضي الله عنه فقال: إني احتلمت على طنفسة فقال: إن كان رطبا فاغسله، وإن كان يابسا فاحككه، وإن خفي عليك فارششه، وأجيب عن قولهم: إنه أصل أولياء الله تعالى، بأنه أصل أعدائه كذلك، فينبغي أن لا يكون طاهرا وبأنه لا استبعاد في تكون الطاهر من النجس كاللبن من الدم .

(تكميل)

إذا فرك المني حكم بالطهارة عند أبي يوسف ومحمد، وبقلة النجاسة عن أبي حنيفة في أظهر الروايتين، فلو أصابه ماء نجسا عند أبي حنيفة خلافا لهما، وفي الخلاصة المختار أنه لا يعود نجسا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث