الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع

جزء التالي صفحة
السابق

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ، ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه وقيل : يا رسول الله ، أي الناس أفضل ? قال : من قل مطعمه وضحكه ، ورضي مما يستر به عورته وقال النبي صلى الله عليه وسلم : سيد الأعمال الجوع ، وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البسوا وكلوا واشربوا ، في أنصاف البطون ، فإنه جزء من النبوة وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم الفكر نصف العبادة ، وقلة الطعام هي العبادة وقال الحسن أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعا وتفكرا في الله سبحانه ، وأبغضكم عند الله عز وجل يوم القيامة كل نئوم أكول شروب وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع من غير عوز ، أي : مختارا لذلك وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يباهي الملائكة بمن قل مطعمه ومشربه في الدنيا ، يقول الله تعالى : انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا ، فصبر وتركهما ، اشهدوا يا ملائكتي ، ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء وقال صلى الله عليه وسلم : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، وإن كان لا بد فاعلا ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه وفي حديث أسامة بن زيد وحديث أبي هريرة الطويل ذكر فضيلة الجوع ؛ إذ قال فيه : إن أقرب الناس من الله عز وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا ، الأحفياء الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا تعرفهم بقاع الأرض ، وتحف بهم ملائكة السماء نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل افترش ، الناس الفرش الوثيرة وافترشوا الجباه والركب ، ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم وحفظوها هم ، تبكي الأرض إذا فقدتهم ، ويسخط الجبار على كل بلدة ليس فيها منهم أحد ، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف أكلوا العلق ولبسوا الخرق شعثا ، غبرا يراهم الناس فيظنون أن بهم داء وما بهم داء ، ويقال : قد خولطوا فذهبت ، عقولهم ، وما ذهبت عقولهم ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أمر الله الذي أذهب عنهم الدنيا فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول عقلوا حين ذهبت عقول الناس ، لهم الشرف في الآخرة يا أسامة ، إذا رأيتهم في بلدة ، فاعلم أنهم أمان لأهل تلك البلدة ، ولا يعذب الله قوما هم فيهم ، الأرض بهم فرحة ، والجبار عنهم راض ، اتخذهم لنفسك إخوانا ، عسى أن تنجو بهم ، وإن استطعت إن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فافعل ، فإنك تدرك بذلك شرف المنازل ، وتحل مع النبيين ، وتفرح بقدوم روحك الملائكة ، ويصلي عليك الجبار .

روى الحسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البسوا الصوف ، وشمروا ، وكلوا في أنصاف البطون ، تدخلوا في ملكوت السماء وقال عيسى عليه السلام : يا معشر الحواريين ، أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم ؛ لعل قلوبكم ترى الله عز وجل وروي ذلك أيضا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، رواه طاوس وقيل : مكتوب في التوراة إن الله ليبغض الحبر السمين لأن السمن يدل على الغفلة وكثرة الأكل ، وذلك قبيح خصوصا بالحبر ولأجل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الله تعالى يبغض القارئ السمين .

وفي خبر مرسل : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش وفي الخبر : إن الأكل على الشبع يورث البرص وقال صلى الله عليه وسلم : المؤمن يأكل في معى واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء أي : يأكل سبعة أضعاف ما يأكل المؤمن أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته وذكر المعى كفاية عن الشهوة ; لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام ، وتأخذه كما يأخذ المعى ، وليس المعنى زيادة عدد معى المنافق على معى المؤمن .

التالي السابق


(بيان فضيلة الجوع وذم الشبع )

ولنذكر أولا مناسبة إيراد المصنف هذا الكتاب عقيب كتاب رياضة النفس، فنقول: لما كان ختام هذا الكتاب المتقدم في الكلام على الإرادة والمريد، ولا بد للمريد من خصال سبع: الصدق في الإرادة، وعلامته إعداد العدة، ولا بد له من التسبب إلى الطاعة، وعلامة ذلك هجر قرناء السوء، ولا بد له من المعرفة بحال نفسه، وعلامة ذلك انكشاف آفات النفس، ولا بد له من مجالسة عالم بالله، وعلامة ذلك إيثاره على ما سواه، ولا بد له من توبة نصوح، فبذلك يجد حلاوة الطاعة، ويثبت على المداومة، وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى، والزهد فيما كانت النفس راغبة فيه، ولا بد من طعمة حلال، وعلامة ذلك المطالبة عنه، وحلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع، ولا بد له من قرين صالح يوازره على حاله، وعلامته معاونته على البر والتقوى، ونهيه إياه عن الإثم والعدوان، فهذه الخصال السبع قوة الإرادة، لا قوام لها إلا بها، ويستعين على هذه السبع بأربع، هن أساس بنيانه وبها قوة أركانه، أولها الجوع، ثم السهر، ثم الصمت، ثم الخلوة، فهذه الأربعة سجن النفس وضيقها، وتقييدها بهن تضعف صفاتها، وعليهن تحسن معاملاتها، فلهذا أعقبه بهذا الكتاب؛ ليكون كالتتمة لتلك الخصال التي ذكرها، وابتدأ بما ورد في فضل الجوع، فقال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله، وإنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .

(وقال ابن عباس ) رضي الله عنهما: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه ) ، قال العراقي : لم أجد له أصلا، (وقيل: يا رسول الله، أي [ ص: 387 ] الناس أفضل؟ قال: من قل مطعمه وضحكه، ورضي) من اللباس (بما يستر عورته) ، قال العراقي : لم أجد له أصلا، (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الأعمال الجوع، وذل النفس لباس الصوف ) ، قال العراقي : لم أجد له أصلا، (وقال أبو سعيد الخدري ) رضي الله عنه: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البسوا واشربوا، وكلوا في أنصاف البطون، فإنه جزء من النبوة ) قال العراقي : لم أجد له أصلا، قلت: وسيأتي للمصنف نحوه قريبا من حديث الحسين عن أبي هريرة ، (وقال الحسن البصري ) رحمه الله تعالى مرسلا: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: التفكر نصف العبادة، وقلة الطعام هي العبادة ) ، قال العراقي : لم أجد له أصلا، قلت: وروى أبو نعيم في الحلية من طريق سالم بن أبي الجعد قال: قيل لأم الدرداء : ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ فقالت: التفكر ، (وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعا وتفكرا، وأبغضكم عند الله عز وجل يوم القيامة كل نؤوم أكول شروب ) ، أي: كثير النوم، كثير الأكل، كثير الشرب، قال العراقي : لم أجد له أصلا، (وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع من غير عوز، أي: مختارا له ) ، ولفظ القوت: وفي حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجوعون من غير عوز، أي مختارين لذلك ، قال العراقي : رواه البيهقي في الشعب من حديث عائشة ، قالت: لو شئنا أن نشبع لشبعنا، ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه . وإسناده معضل .

(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يباهي الملائكة بمن قل مطعمه ومشربه، يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا، فصبر وتركهما، اشهدوا يا ملائكتي، ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة ) ، رواه ابن عدي في الكامل، وقد تقدم في الصيام .

(وقال صلى الله عليه وسلم: لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء ) ، قال العراقي : لم أقف له على أصل .

(وقال صلى الله عليه وسلم: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، وإن كان لابد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ) ، رواه الترمذي من طريق المقدام ، وقد تقدم في الصيام، (وفي حديث أسامة بن زيد وأبي هريرة ) رضي الله عنهما الطويل (ذكر فضيلة الجوع؛ إذ قال فيه: إن أقرب الناس من الله عز وجل من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا، الأحفياء) بالحاء المهملة وبالمعجمة، (الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا) ، أي: لخفائهم بين الناس، (وإن غابوا لم يفتقدوا) ، أي: لم يطلبوا، (تعرفهم بقاع الأرض، وتحف بهم الملائكة) ، ولفظ القوت: ملائكة السماء، (نعم الناس بالدنيا) أي: بلذائذها، (ونعموا بطاعة الله عز وجل، فرش الناس الفرش) اللينة، (وافترشوا الجباه والركب، ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم، و) هم (حفظوها، تبكي الأرض إذا فقدتهم، ويسخط الجبار) جل وعز (على كل بلدة ليس فيها منهم أحد، لم يتكالبوا) ، أي: لم يتواثبوا (على الدنيا تكالب الكلاب) ، أي: تواثبها على الجيف، وهي أمتعة الدنيا، (أكلوا العلق) جمع علقة، بالضم، هو اليسير من الطعام، (ولبسوا الخرق) ، أي: البالي من الثياب، (شعثا رؤوسهم، غبرا) وجوههم، (يراهم الناس فيظنون أن بهم داء) ، أي: علة، (وما بهم داء، ويقال: إنهم قد خولطوا، وذهبت عقولهم، وما ذهبت عقولهم) ، ولا خولطوا، (ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أمر) جد، (أذهب عنهم) حب الدنيا، (فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول) ، أي: على هيئة [ ص: 388 ] من لا عقل له، (عقلوا حين ذهبت عقول الناس، لهم الشرف) ، أي: الرتبة العالية (في الآخرة، إذا رأيتهم في بلدة، فاعلم أنهم أمان لتلك البلدة، ولا يعذب الله أبدا قوما هم فيهم، الأرض بهم فرحة، والجبار عنهم راض، اتخذهم لنفسك إخوانا، عسى أن تنجو بهم، وإن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن، فإنك بذلك تدرك شرف المنازل، وتحل مع النبيين، وتفرح بقدوم روحك الملائكة، ويصلي عليك الجبار) ، هكذا رواه صاحب القوت .

قال العراقي : الحديث بطوله رواه أحمد في الزهد، من حديث سعيد بن زيد ، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على أسامة .. فذكره، مع تقديم وتأخير، ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الموضوعات، وفيه حبان بن عبد الله بن جبلة ، أحد الكذابين، وفيه من لا يعرف، وهو منقطع أيضا، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من هذا الوجه. اهـ .

قلت: وقد روي بعضه من حديث معاذ ، أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي قلابة عن عبد الله بن عمر قال: مر عمر بن الخطاب بمعاذ وهو يبكي، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أحب العباد إلى الله الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن شهدوا لم يعرفوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم .

(وروى الحسن) البصري رحمه الله تعالى (عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البسوا الصوف، وشمروا، وكلوا في أنصاف البطون، تدخلوا في ملكوت السماء ) قال العراقي : رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف، (وقال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين ، أجيعوا أكبادكم) ، ولفظ القوت: وفي خبر عن عيسى عليه السلام قال: يا معشر الحواريين ، جوعوا بطونكم، وعطشوا أكبادكم، (وأعروا أجسادكم؛ لعل قلوبكم ترى الله عز وجل) ، يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب، فالجوع مفتاح الزهد، وباب الآخرة، وفيه ذل النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها، وفي ذلك حياة القلب وصلاحه، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق موسى بن سعيد عن مالك بن دينار ، قال: بلغني أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أجيعوا أنفسكم وأظمئوها وأعروها، وأنصبوها؛ لعل قلوبكم أن تعرف الله عز وجل. (وروي ذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم أيضا، رواه طاوس ) مرسلا، قال العراقي : لم أجده .

قلت: ورواه عبد الرحيم بن يحيى الأسود في كتاب الإخلاص، هكذا عن طاوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كذا في القوت، (وقيل: مكتوب في التوراة أن الله عز وجل يبغض الحبر السمين) ، رواه أبو نعيم في الحلية من طريق سيار ، حدثنا جعفر ، سمعت مالك بن دينار يقول: قرأت في الحكمة أن الله يبغض كل حبر سمين، ورواه البيهقي في الشعب من طريق محمد بن ذكوان عن رجل، عن كعب من قوله: إن الله يبغض أهل البيت اللحمين، والحبر السمين .

قال البيهقي في تأويل الجملة الزائدة: إنهم هم الذين يكثرون أكل اللحم، قال: وقرانه بالجملة الأخرى كالدلالة على ذلك .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف ، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ وكان حبرا سمينا، فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله تعالى: وما قدروا الله حق قدره الآية ، وهكذا أخرجه الواحدي في أسباب النزول، وأخرجه الطبري في تفسيره من طريق جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، وعزاه أيضا للحسن البصري ، وعند أبي نعيم في الطب النبوي من طريق بشر الأعور قال: قال عمر : إياكم والبطنة.. الحديث، وفي آخره: وإن الله ليبغض الحبر السمين ، (لأن السمن يدل على الغفلة وكثرة الأكل، وذلك قبيح) مطلقا، (خصوصا بالحبر) ، وهو العالم، ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: لا يعدو العاقل من إحدى حالتين، إما أن يهتم لآخرته ومعاده، أو لدنياه ومعاشه، والشحم مع الهم لا ينعقد، فإذا خلا عن المعنيين صار في حد البهائم يعقد الشحم، (ولأجله قال ابن مسعود ) رضي الله عنه: (إن الله يبغض القارئ السمين) ، ورواه صاحب القوت كذلك، وفي موضع آخر من كتابه، (ليمقت الحبر السمين) ، وعزاه أبو الليث السمرقندي في بستانه لأبي أمامة الباهلي مرفوعا، قال السخاوي : وما أعلمه مرفوعا، (وفي خبر مرسل: إن [ ص: 389 ] الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش ) قال العراقي : تقدم في الصيام دون الزيادة التي في آخره، وذكر المصنف هنا أنه مرسل، والمرسل رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، من حديث علي بن الحسين ، دون الزيادة أيضا، (وفي الخبر: إن الأكل على الشبع يورث البرص ) ، نقله صاحب القوت، وقال: قد يروى في خبر، ثم ساقه، قال العراقي : لم أجد له أصلا، (وقال عليه الصلاة والسلام: المؤمن يأكل في معى واحد) بكسر الميم وبالعين المهملة، مقصور، وفيه لغة أخرى، "معي"، بالكسر والسكون، بعدها ياء، حكاها صاحب المحكم، والجمع الأمعاء، وهي المصارين، (والكافر) وفي نسخة: المنافق، بدل "الكافر"، (يأكل في سبعة أمعاء) قال العراقي : متفق عليه من حديث عمر ، وحديث أبي هريرة . اهـ .

قلت: رواه البخاري من طريق مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة بلفظ: "يأكل المسلم في معى واحد، والكافر في سبعة أمعاء" . وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف وهو كافر، فذكر قصته، وفي آخرها: "المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء" وأخرجه مسلم أيضا من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مقتصرا على الحديث دون القصة، وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه من رواية عدي بن ثابت عن أبي حازم ، عن أبي هريرة أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا، فأسلم، فكان يأكل أكلا قليلا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" . واختلف في المراد بهذا الحديث على أقوال :

أحدها قال ابن عبد البر : الإشارة فيه إلى كافر بعينه، لا إلى جنس الكفار، ولا سبيل إلى حمله على العموم; لأن المشاهدة تدفعه، ألا ترى أنه قد يوجد كافر أقل من مؤمن، ويسلم الكافر فلا ينقص أكله، ولا يزيد، وفي حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه على أبي هريرة ما يدل على أنه في رجل بعينه، ولذلك جعله مالك في موطئه بعده مفسرا له، وهذا عموم، والمراد به الخصوص، فكأنه قال: هذا إذا كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء، فلما آمن عوفي وبورك له في نفسه، فكفاه جزء من سبعة أجزاء ما كان يكفيه إذ كان كافرا خصوصا له، فكأنه قال: هذا الكافر، وهذا المؤمن. اهـ. وسبقه إلى ذلك الطحاوي فقال: هذا الكافر مخصوص، حكاه عنه ابن طاهر في مهماته، ثم اختلف في تعيين الكافر الذي أسلم، وكان ورود الحديث على أقوال; أحدها أنه جهجاه الغفاري ، رواه أبو يعلى والبزار والطبراني ، قال ابن بشكوال : وهو الأكثر، قال العراقي في شرح الترمذي : إنه لا يصح; لأن مدار حديثه على موسى بن عبيدة الترمذي ، وهو ضعيف. الثاني أنه أبو بصرة الغفاري ، رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح، وجزم به الخطيب في مبهماته. الثالث: أنه أبو غزوان ، رواه الطبراني بإسناد صحيح. الرابع أنه فضلة بن عمرو ، رواه أحمد والبزار بإسناد رجاله ثقات .

قال العراقي : وهذه قصة أخرى، وليس هو المبهم في حديث أبي هريرة . الخامس أنه ثمامة بن أثال . السادس أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري ، حكاهما القاضي عياض والنووي ، وحكى ابن بشكوال كونه ثمامة بن أثال عن أبي إسحاق ، وصدر به المازري كلامه .

وقال العراقي : لم أجد في طرق الحديث ما يدل على هذين القولين.الثاني من الأقوال أن هذا مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا، وللكافر وحرصه عليها، وإليه أشار المصنف بقوله: (أي: يأكل سبعة أضعاف ما يأكل المؤمن) ، وكان المؤمن لزهده في الدنيا وتقلله منها يأكل في معى واحد، فليس المراد حقيقة الأمعاء، ولا حقيقة الأكل، وإنما المراد الاتساع في الدنيا، والتقلل منها، فكأنه عبر بالأكل عن أخذ الدنيا، وبالأمعاء عن أسباب ذلك، والعرب ترفع في ذكر ضعف الشيء وأضعافه إلى سبعة، وهذا هو القول الثالث. (أو تكون شهوته) أي: الكافر (سبعة أضعاف شهوته) ، أي: المؤمن; لأنه غير واقف مع المقصد الشرعي، وإنما هو تابع لشهوة نفسه، مسترسل فيها، غير خائف من تبعة الحرام وورطته، بخلاف المؤمن، فإن الغالب من حاله قلة الأكل؛ لعلمه أن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع، ويمسك الرمق، ويقوي على عبادة الله تعالى، وخوفه من حساب الزيادة على ذلك، فصار أكله إذا نسب لأكل الكافر كأنه سبعه. [ ص: 390 ] وهذا هو القول الرابع، (ويكون المعنى) على هذا القول (كناية عن الشهوة; لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام، وتأخذه كما يأخذ المعى، وليس المعنى زيادة عدد أمعاء المنافق على أمعاء المؤمن) ، وهذا القول اختيار سهل التستري رحمه الله تعالى، كأنه قال: المنافق يأكل في سبعة أمعاء، شره وطمع وشهوة وحرص ورغبة وغفلة وعادة، فهو يأكل بهذه المعاني، والمؤمن يأكل بمعنى الفاقة والزهد، ولكن ليس ذلك أمرا مطردا في حق كل مسلم وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا بحسب العادة، أو لعارض، ويكون في الكفار من يعتاد قلة الأكل، إما لمراعاة الصحة، كالأطباء، أو للتقلل، كالرهبان، أو لضعف المعدة، وحينئذ فهذا خرج مخرج الغالب، والسبع على سبيل التقريب، دون التحديد .

القول الخامس أن هذا تحضيض للمؤمنين على قلة الأكل إذا علموا أن هذه صفة المؤمن الكامل الإيمان، وتنفير من كثرة الأكل إذا علموا أن هذه من صفة الكفار، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، وهذا كما قال تعالى: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم .

القول السادس: أن المراد به أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه، فلا يشركه الشيطان فيه؛ فيقل أكله لذلك، والكافر لا يسمي الله؛ فيشاركه الشيطان فيه، وفي صحيح مسلم : "إن الشيطان ليستحل الطعام إن لم يذكر اسم الله عليه" .

القول السابع: أن المراد بالمؤمن هنا تام الإيمان، المعرض عن الشهوات، المقتصر على سد خلته، والمراد بالكافر المتعدي في طغيانه، المنهمك على الدنيا، الشديد الإعراض عن الآخرة، فأريد مؤمن بوصف مخصوص، وكافر بوصف مخصوص .

القول الثامن: قال النووي : المختار أن معناه بعض المؤمنين يأكل في معى واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن كل واحد من السبعة مثل معى المؤمن .



(تنبيه) :

اختلف في المراد بالأمعاء السبعة ، فحكى القاضي عياض عن أهل الطب والتشريح أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب والصائم والرقيق، وهي كلها رقاق، ثم ثلاثة غلاظ: الأعور والقولون والمستقيم، وطرفه الدبر، قال: فيكون على هذا موافقا لما قاله صلى الله عليه وسلم: إن الكافر، المذكور، وإن كان بعينه، أو بعض الكفار، أو من يأكل منهم بشرهه وجشعه، ولا يذكر اسم الله تعالى على أكله لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، كالأنعام، أو آكلة الخضر، والمؤمن المقتصد في أكله يشبعه ملء معى واحد، قال: وقيل: المراد بالسبعة صفات سبعة: الحرص، والشره، وبعد الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والحسد، وحب السمن، قال: وقيل: شهوات الطعام على سبعة: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي بها يأكل المؤمن، وأما الكافر فإنه يأكل بجميع شهواته. وحكى القاضي أبو بكر بن العربي قريبا من هذا القول عن بعض مشايخ الزهد، فذكر الحواس الخمس والحاجة والشهوة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث