الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأصل العاشر أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق أجمعين بالهدى

ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها مع كافة العرب القرآن العظيم فإنهم مع تمييزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسبه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله عز وجل عنهم ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه هذا مع ما فيه من أخبار الأولين مع كونه أميا غير ممارس للكتب .

التالي السابق


ثم شرع المصنف في بيان القسم الأول الذي هو بيان الأمور الثابتة في ذاته، وهي المعجزة الدائمة العامة الدلالة، المختص بها [ ص: 209 ] آية، وإنما أخره لكثرة ما فيه من المباحث، فقال: (ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها) أي: جارى بها وعارض، وأصل التحدي: طلب المباراة في الحداء بالإبل، ثم توسع فيه فأطلق على طلب المعارضة بالمثل في أي أمر كان (مع كافة العرب) أي جميعهم من أولاد إسماعيل عليه السلام، ومن أولاد سبأ بن يعرب . (القرآن) هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلا متواترا، وكان الشافعي رضي الله عنه لا يهمزه (فإنهم) أي: كافة العرب (مع تميزهم بالفصاحة) أي: الملكة التي يقتدر بها على التعبير عن المقصود مع الإبانة والظهور (والبلاغة) ، أي: الملكة التي يقتدر بها على تأليف كلام بليغ، والكلام البليغ هو الذي يجمع أوصافا ثلاثة صوابا في موضع لغته، وطبقا للمعنى المقصود به وصدقا في نفسه (تهدفوا) أي: جعلوا أنفسهم هدفا (لسبيه) أي: أسره (ونهبه) أي: غارته (وقتله) والفتك به (ولم يقدروا على معارضته) أي: القرآن (بمثله) ، ولو أقصر سورة منه، وعجزهم متواتر، أي ثبت انصرافهم من المعارضة إلى المقارعة، مع توفير مقتضيات المعارضة منهم من حيث قوة الفصاحة والبلاغة، حيث بلغوا في ذلك إلى الغاية التي تمكن في الإنسان مع توفر دواعيهم عن رد دعوته، وتهالكهم على ذلك، فلم يجدوا لذلك سبيلا، وفزعوا إلى بذل مهجهم وإتلاف أموالهم وقتل نفوسهم وسبي ذرياتهم، ولو قدروا على المعارضة لعارضوا، ولما اختاروا ذلك عليها لما فيها من وصول مقصودهم وسلامة مهجهم، ولو عارضوا لنقل تواترا لما فيه من توفر الدواعي ونفي الموانع، ولم يكن ذلك قطعا (إذ لم يكن من قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه) أشار بذلك إلى القول المرضي عنده في وجه الإعجاز، تبعا لشيخه إمام الحرمين أن القرآن معجز; لاجتماع الجزالة فيه مع الأسلوب في النظم المخالف لأساليب كلام العرب، والجزالة عبارة عن دلالة اللفظ على معناه، بشرط قلة حروفه وتناسب مخارجها، والنظم عبارة عن ترتيب الأقوال بعضها على بعض، ثم الحسن فيه بتقدير تناسب الكلمات وتقاربها في الدلالة على المعاني، والبلاغة عبارة عن اجتماع الفصاحة مع الجزالة، وغرابة الأسلوب، فالجزالة تقابلها الركاكة، فليس في نظمه لفظ ركيك، وغرابة أسلوبه هو أنه يخالف المعهود من أساليب كلام العرب; إذ لم يعهد في كلامهم كون المقاطع على مثل "ويعلمون"، "ويفعلون"، والمطالع على مثل يا أيها الناس ، يا أيها الرسل ، الحاقة ما الحاقة ، عم يتساءلون ، وهذا القول ارتضاه القاضي أبو بكر الباقلاني، فلم يشترطوا فيه البلاغة، وقيل: إعجازه بسلامته من الاختلاف والتناقض، وقيل: باشتماله على دقائق الحكم والمصالح، والجمهور على أن الإعجاز فيه لكونه في المرتبة العليا من الفصاحة والبلاغة التي هي خارجة عن طوق البشر، وإنما هي من مقدور خالق القوى والقدر، كما تجده النفوس الإنسانية الكاملة من نفوسها، أما فصحاء العرب فبحسب سليقتهم وما فطروا عليه، وأما غيرهم فبحسب معرفتهم بالبلاغة وإحاطتهم بأساليب الكلام والفصاحة (هذا مع ما فيه من أخبار الأولين) ووبال المشركين في شطر آية، كقوله عز وجل: فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ، فانظر ما تضمن شطر هذه الآية مع لطيف نظمها من الإنباء عن عظم القدرة واستيلاء الربوبية، والاستغناء عن الهالكين، ولا دافع ولا مانع، وخروجها باستعلائها عن القلوب من كلام كل مربوب .

وقيل: إعجازه بالنظم فقط، وهو قول بعض المعتزلة، وقيل: بالصرف عن معارضته، وهو اختيار الشريف المرتضى من الشيعة، وقرره النظام، فقال: كانت العرب تقدر على النطق بمثله قبل مبعثه عليه السلام، فلما بعث سلبوا هذه القدرة .

وقال قوم: إعجازه موافقته لقضايا العقول. وقال بعض المحدثين: إعجازه أنه قديم غير مخلوق. وقال قوم: إعجازه أنه عبارة عن الكلام القديم، ووجه ما اختاره المصنف وارتضاه تبعا لشيخه الإمام والقاضي هو أنه عليه السلام لما تحداهم بأن يأتوا بمثله، ثم تنزل إلى عشر سور، ثم إلى سورة، والسورة مشتملة على الأمرين، أعني الجزالة والأسلوب، وإنما يتحقق الإتيان بمثله عند الإتيان بمشتمل على الوصفين [ ص: 210 ] معا; فإن الشاعر المفلق إذا سرد قصيدة بليغة ودعا إلى المعارضة بمثلها فعورض بخطبة أو نثر مرسل بالغ أقصى الفصاحة، لم يكن الآتي بذلك معارضا لها، ولو أتى الشاعر بمثل وزن شعره عريا عن بلاغته وجزالته لم يكن معارضا له. قال الإمام: هذا ما ارتضاه القاضي واستقر عليه نظره، وقال في تضاعيف كلامه: ولو جعلت النظم بمفرده مع إفادة المعاني معجزا لم يكن مبعدا. قال الإمام: وهذا غير سديد; فإنه لا يسلم أن يقدر كلام كذلك، وفي هذا التقدير إبطال لقول من زعم أن أحدهما كاف في الإعجاز .

وأما من صار إلى أن إعجازه بالصرف وأنه كان مقدورا قبل البعث، فقيل: إنه لو كان كذلك لوجد مثله قبل التحدي، ولو كان لظهر، وأما من قال: إعجازه بكونه قديما فهو قول بقدم الحروف، وهو باطل، وأما من قال بأن إعجازه أنه عبارة عن الكلام القديم فلا يصح; لأنه لا يمتنع أن يعبر عن الكلام القديم بلفظ غير معجز، ثم نبه المصنف على أن من وجوه الإعجاز إنباءه عن أخبار الأولين، وتفاصيل أحوالهم (مع كونه) صلى الله عليه وسلم (أميا غير ممارس للكتب) بالتلقن، ولم يعان تعلما، وإنما نشأ بين ظهور العرب، فلم تعهد له خرجات يتوقع في مثلها دراسة، فكان ذلك أدل على صدقه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث