الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 17 ] ذكر أول المغازي ، وهي غزوة الأبواء ، ويقال لها : غزوة ودان ، وأول البعوث ، وهو بعث حمزة بن عبد المطلب ، أو عبيدة بن الحارث ، كما سيأتي في المغازي

قال البخاري : كتاب المغازي ، قال ابن إسحاق أول ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء ، ثم بواط ، ثم العشيرة . ثم روى عن زيد بن أرقم ، أنه سئل : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : تسع عشرة . شهد منها سبع عشرة ، أولهن العسيرة أو العشيرة . وسيأتي الحديث بإسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة ، إن شاء الله وبه الثقة .

وفي " صحيح البخاري " ، عن بريدة ، قال ( : غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة . ولمسلم عنه ، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة [ ص: 18 ] غزوة وفي رواية له عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة ، وقاتل في ثمان منهن .

وقال الحسين بن واقد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا سبع عشرة غزوة ، وقاتل في ثمان ، يوم بدر ، وأحد والأحزاب ، والمريسيع ، وقديد ، وخيبر ، ومكة ، وحنين ، وبعث أربعا وعشرين سرية .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي التنوخي ثنا الهيثم بن حميد ، أخبرني النعمان ، عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثماني عشرة غزوة ، قاتل في ثمان غزوات ، أولهن بدر ، ثم أحد ، ثم الأحزاب ، ثم قريظة ، ثم بئر معونة ، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ، ثم غزوة خيبر ، ثم غزوة مكة ثم حنين والطائف . قوله : بئر معونة بعد قريظة فيه نظر ، والصحيح أنها بعد أحد ، كما سيأتي .

قال يعقوب : حدثنا سلمة بن شبيب ، ثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، 103 سمعت سعيد بن المسيب يقول : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة . وسمعته مرة أخرى يقول أربعا وعشرين . فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك . [ ص: 19 ]

وقد روى الطبراني عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين غزوة .

وقال عبد بن حميد في " مسنده " : حدثنا سعيد بن سلام ، ثنا زكريا بن إسحاق ، حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين غزوة .

وقد روى الحاكم من طريق هشام ، عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثا وأربعين . ثم قال الحاكم : لعله أراد السرايا دون الغزوات ، فقد ذكرت في " الإكليل " ، على الترتيب ، بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه زيادة على المائة . قال : وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبي عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين . وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا وحمله كلام قتادة على ما قال ، فيه نظر .

وقد روى الإمام أحمد ، عن أزهر بن القاسم الراسبي ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث وأربعون ، أربع وعشرون بعثا وتسع عشرة غزوة خرج في ثمان منها بنفسه ، بدر ، وأحد ، [ ص: 20 ] والأحزاب ، والمريسيع ، وقديد ، وخيبر ، وفتح مكة ، وحنين .

وقال موسى بن عقبة ، عن الزهري : هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها ، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث ، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع ، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان من سنة خمس ثم قاتل يوم خيبر سنة ست ، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان ، ثم قاتل يوم حنين ، وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان ، ثم حج أبو بكر سنة تسع ، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر ، وغزا ثنتي عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال ، وكانت أول غزوة غزاها الأبواء .

وقال حنبل بن إسحاق عن هلال بن العلاء ، عن عبد الله بن جعفر الرقي ، عن مطرف بن مازن اليماني ، عن معمر ، عن الزهري قال : أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الآية [ الحج : 39 ] بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يوم الجمعة ، لسبع عشرة من رمضان . إلى أن قال : ثم غزا بني النضير ثم غزا أحدا في شوال - يعني من سنة ثلاث - ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع ثم قاتل بني لحيان في شعبان سنة خمس ، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست ، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان ، وكانت حنين في رمضان سنة ثمان ، [ ص: 21 ] وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها ، فكانت أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء ، ثم العشيرة ثم غزوة غطفان ، ثم غزوة بني سليم ، ثم غزوة الأبواء ، ثم غزوة بدر الأولى ، ثم غزوة الطائف ، ثم غزوة الحديبية ، ثم غزوة الصفراء ، ثم غزوة تبوك آخر غزوة . ثم ذكر البعوث . هذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر وهو غريب جدا ، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتبا .

وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له ، كما رواه محمد بن عمر الواقدي ، عن عبد الله بن عمر بن علي ، عن أبيه سمعت علي بن الحسين يقول : كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن . قال الواقدي : وسمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت عمي الزهري يقول في علم المغازي : علم الآخرة والدنيا .

وقال محمد بن إسحاق ، رحمه الله ، في " المغازي " بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه من تعيين رءوس الكفر من اليهود والمنافقين ، لعنهم الله أجمعين وجمعهم في أسفل سافلين : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه ، وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من المشركين . [ ص: 22 ] قال : وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحاء ، وكادت الشمس تعتدل لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة ، وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة ، فأقام بقية شهر ربيع الأول ، وشهر ربيع الآخر ، وجماديين ، ورجبا ، وشعبان ، وشهر رمضان ، وشوالا ، وذا القعدة ، وذا الحجة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرم ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة . قال ابن هشام واستعمل على المدينة سعد بن عبادة . قال ابن إسحاق : حتى بلغ ودان ، وهي غزوة الأبواء - قال ابن جرير ويقال لها : غزوة ودان - أيضا يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فوادعته فيها بنو ضمرة ، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري ، وكان سيدهم في زمانه ذلك ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا ، فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول . قال ابن هشام : وهي أول غزوة غزاها ، عليه السلام .

قال الواقدي : وكان لواؤه مع عمه حمزة وكان أبيض .

قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية [ ص: 23 ] المرة ، فلقي بها جمعا عظيما من قريش ، فلم يكن بينهم قتال ، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في سبيل الله في الإسلام ، ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة ، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بني نوفل بن عبد مناف ، وكانا مسلمين ، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار . قال ابن إسحاق : وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل . وروى ابن هشام ، عن أبي عمرو بن العلاء ، عن أبي عمرو المدني أنه قال كان عليهم مكرز بن حفص

قلت : وقد تقدم عن حكاية الواقدي قولان ، أحدهما أنه مكرز والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب وأنه رجح أنه أبو سفيان فالله أعلم .

ثم ذكر ابن إسحاق القصيدة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق في هذه السرية التي أولها :

أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث أرقت وأمر في العشيرة حادث     ترى من لؤي فرقة لا يصدها
عن الكفر تذكير ولا بعث باعث     رسول أتاهم صادق فتكذبوا
عليه وقالوا لست فينا بماكث [ ص: 24 ]     إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا
وهروا هرير المحجرات اللواهث

القصيدة إلى آخرها ، وذكر جواب عبد الله بن الزبعرى في مناقضتها التي أولها :


أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث     بكيت بعين دمعها غير لابث




ومن عجب الأيام والدهر كله     له عجب من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده     عبيدة يدعى في الهياج
ابن حارث لنترك أصناما بمكة عكفا     مواريث موروث كريم لوارث



وذكر تمام القصيدة وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أن الإمام عبد الملك بن هشام ، رحمه الله - وكان إماما في اللغة - ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين .

قال ابن إسحاق : وقال : سعد بن أبي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون :


ألا هل اتى رسول الله أني     حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيادا     بكل حزونة وبكل سهل [ ص: 25 ]
فما يعتد رام في عدو     بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق     وذو حق أتيت به وفضل
ينجى المؤمنون به ويخزى     به الكفار عند مقام مهل
فمهلا قد غويت فلا تعبني     غوي الحي ويحك يا بن جهل



قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد .

قال ابن إسحاق فكانت راية عبيدة - فيما بلغنا - أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام لأحد من المسلمين . وقد خالفه الزهري وموسى بن عقبة والواقدي ، فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث والله أعلم . وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص أن أول أمراء السرايا عبد الله بن جحش الأسدي .

قال
ابن إسحاق : وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة . وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث