الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ذكر عدد القتلى وعدد الأسارى

[ ص: 172 ] فصل

والمشهور أن الأسارى يوم بدر كانوا سبعين ، والقتلى من المشركين سبعين ، كما ورد في غير ما حديث مما تقدم ، وسيأتي إن شاء الله ، وكما في حديث البراء بن عازب في " صحيح البخاري " أنهم قتلوا يوم بدر سبعين ، وأسروا سبعين .

وقال موسى بن عقبة : قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة ، ومن الأنصار ثمانية ، وقتل من المشركين تسعة وأربعون ، وأسر منهم تسعة وثلاثون . هكذا رواه البيهقي عنه . قال : وهكذا ذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين .

ثم قال : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصم ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : واستشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا ، أربعة من قريش ، وسبعة من الأنصار ، وقتل من [ ص: 173 ] المشركين بضعة وأربعون رجلا . وقال في موضع آخر : وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وأربعون أسيرا ، وكانت القتلى مثل ذلك .

ثم روى البيهقي ، من طريق أبي صالح كاتب الليث ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، قال : وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر ، ورجل من الأنصار ، وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين ، وأسر منهم مثل ذلك . قال ورواه ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري عن ، عروة بن الزبير

قال البيهقي : وهو الأصح فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم . ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير ، فأصابوا منا سبعين ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة ، سبعين أسيرا ، وسبعين قتيلا . [ ص: 174 ]

قلت : والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وقد صرح قتادة بأنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وكأنه أخذه من هذا الذي ذكرناه . والله أعلم . وفي حديث عمر المتقدم ، أنهم كانوا زيادة على الألف . والصحيح الأول ، لقوله عليه السلام : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف . وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، كما سيأتي التنصيص على ذلك ، وعلى أسمائهم ، إن شاء الله ، وتقدم في حديث الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان . وقاله أيضا ، عروة بن الزبير ، وقتادة وإسماعيل السدي الكبير ، وأبو جعفر الباقر .

وروى البيهقي من طريق قتيبة ، عن جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود في ليلة القدر ، قال : تحروها لإحدى عشرة بقين ، فإن صبيحتها يوم بدر . .

قال البيهقي : وروي عن زيد بن أرقم ، أنه سئل عن ليلة القدر ، فقال : [ ص: 175 ] ليلة تسع عشرة . ما شك وقال : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .

قال البيهقي : والمشهور عن أهل المغازي أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان .

ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، حدثنا أبو عمرو بن السماك ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عمرو بن عثمان ، سمعت موسى بن طلحة يقول : سئل أبو أيوب الأنصاري عن يوم بدر فقال : إما لسبع عشرة خلت ، أو ثلاث عشرة خلت ، أو لإحدى عشرة بقيت ، وإما لسبع عشرة بقيت . وهذا غريب جدا .

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثي ، من طريق الواقدي وغيره بإسنادهم إليه ، أنه شهد يوم بدر مع المشركين ، فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وجعلت أقول في نفسي : ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء ، والله لو خرجت نساء قريش بأكمتها ، ردت محمدا وأصحابه ، فلما كان بعد الخندق ، قلت : لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد ، وقد وقع في نفسي الإسلام . قال : [ ص: 176 ] فقدمتها ، فسألت عنه فقالوا : هو ذاك في ظل المسجد في ملأ من أصحابه ، فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه ، فسلمت فقال : " يا قباث بن أشيم ، أنت القائل يوم بدر : ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء ؟ فقلت : أشهد أنك رسول الله ، فإن هذا الأمر ما خرج مني إلى أحد قط ، ولا ترمرمت به إلا شيئا حدثت به نفسي ، فلولا أنك نبي ما أطلعك الله عليه ، هلم أبايعك على الإسلام ، فأسلمت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث