الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما على الأولياء وإنكاح الأب البكر بغير إذنها

فصل : وإذا عدمت المرأة وليا مناسبا وكانت في بلد لا حاكم فيه وأرادت نكاح زوج ، ففيه وجهان :

أحدهما : ليس لها أن تنكح حتى تجد وليا بحكم أو بنسب : كما عدمت الشهود لم يجز أن تتزوج حتى تجد الشهود .

والوجه الثاني : أن يجوز للضرورة أن تتزوج : لأن الولي يراد لنفي العار عنه بتزويج غير الكفء ، فإذا عدم زال معناه وخالف الشهود المعقود بهم الاستيثاق لحفظ الأنساب ، فعلى هذا إذا جوز لها التزويج ، ففيه وجهان :

أحدهما : أنها تتولاه بنفسها : لأن فقد الولي قد أسقط حكمه .

والوجه الثاني : أنها تولي أمرها رجلا يكون بدلا من وليها حتى لا يخلو العقد من عدده ، ويحتمل تخريج هذين الوجهين من اختلاف قوليه في الخصمين إذا حكما رجلا هل يلزمهما حكمه كلزوم الحاكم ؟ والله أعلم .

مسألة : قال الشافعي : " ولا ولاية لوصي لأن عارها لا يلحقه " .

قال الماوردي : وهذا كما قال :

[ ص: 51 ] إذا وصى الأب بتزويج بنته لم يكن لوصيه أن يزوجها ، صغيرة كانت أم كبيرة ، عين له على الزوج أو لم يعين ، ولا يزوجها إن كانت صغيرة إلا أن يعين له على الزوج .

وقال أبو ثور : يزوجها الوصي بكل حال استدلالا على ذلك بأمرين :

أحدهما : أن للأب ولاية على مالها ونكاحها فلما جاز أن يوصي بالولاية على مالها ، جاز أن يوصي بالولاية على نكاحها .

والثاني : أنه لما جاز للأب أن يستنيب في حياته وكيلا جاز له أن يستنيب بعد موته وصيا كالمال ، وهذا غير صحيح : لقوله عليه السلام : لا نكاح إلا بولي وليس الوصي وليا ، ولرواية عبد الله بن عمر قال : زوجني خالي قدامة بن مظعون بابنة أخيه عثمان بن مظعون ، فمضى المغيرة إلى أمها وأرغبها في المال فمالت إليه وزهدت في ، فأتى قدامة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أنا عمها ووصي أبيها وما نقموا من ابن عمر إلا أنه لا مال له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها " ، فرد نكاحه مع كونه وصيا من غير أن يستبرئ حال صغرها وكبرها ولا هل عين الأب على الزوج أم لا ؟ فدل على أن النكاح إنما يجاز له : لأن الوصي لا ولاية له ، ولأن ولاية النكاح قد انتقلت بموت الأب إلى من يستحقها بنفسه من العصبات ، فصار موصى فيما غيره أحق به ، فكان مردود الوصية كما وصى بالولاية على مال أطفاله ولهم جد إلى غيره بطلت وصيته ، كذلك هذا .

وتحريره قياسا : أنها ولاية قد انتقلت من غير تولية ، فلم يجز نقلها بالوصية كالولاية على المال مع وجود الجد ، وفي هذا انفصال عما ذكره من الوصية بالمال : ولأن العصبة إنما اختصوا بالولاية في نكاحها لما يلحقهم من عارها بنكاحها غير كفء ، فصار حق الولاية بينهم مشتركا لرفع العار عنهم وعنها ، وهذا المعنى معدوم في الوصي الذي لا يلحقه عارها ، فلم نثبت ولايته لفقد معناها ، وليس كالوكيل الذي هو نائب غير مستحق لها وهو من ورائه مراع لنفي العار عنه وعنها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث