الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو كن خمسا فأسلمت واحدة في العدة ، فقال : قد اخترت حبسها حتى قال ذلك لأربع ، ثبت نكاحهن باختياره ، وانفسخ نكاح البواقي " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال : إذا تزوج المشرك بأكثر من أربع كأنه تزوج ثماني زوجات ثم أسلم ، وأسلم معه منهن أربع ، فهو بالخيار بين ثلاثة أمور ذكرناها :

                                                                                                                                            [ ص: 281 ] أحدها : أن الخيار للأربع المسلمات فينفسخ باختياره لهن نكاح الأربع المشركات سواء أسلمن في عددهن أم لا ؟ وهذا لو فسخ نكاح الأربع المتأخرات كان اختيار النكاح للأربع المسلمات : لأن الاختيار والفسخ يتقابلا ، فكان في كل واحد منهما دليل على الآخر .

                                                                                                                                            والثاني : أن يمسك عن اختيار الأربع المسلمات : انتظارا لإسلام الأربع المشركات ، فيكون له ذلك ، فإن لم يسلمن حتى مضت عددهن ، ثبت نكاح الأربع المتقدمات ، وإن أسلمن في عددهن ، كان له أن يقيم على أربع من أيتهن شاء : إما الأربع المتقدمات ، وإما الأربع المتأخرات ، وإما على بعض المتقدمات ، ويستكمل أربعا من المتأخرات ، فلو مات الأربع المتقدمات ، ثم أسلم الأربع المتأخرات ، كان خياره باق في الموتى كبقائه في الأحياء : لأن اختياره لهن إبانة عن تقدم نكاحهن ، فإن اختار الأربع الموتى ، انفسخ نكاح الأحياء ، وكان له الميراث من الموتى ومتن في زوجيته ، وإن اختار الأربع الأحياء ، ثبت نكاحهن ، وبان به فسخ نكاح الأربع الموتى ، وإنهن متن أجنبيات فلم يرثهن ، وإن اختار بعض الأحياء وبعض الموتى فعلى ما مضى .

                                                                                                                                            والثالث : أن يختار الزوج عند إسلام الأربع معه بعضهن ، وينتظر إسلام الباقيات ، كأنه اختار من الأربع اثنتين وتوقف عن الاثنتين الباقيتين : انتظارا لإسلام الأربع المتأخرات ، فثبت نكاح الاثنتين المختارتين ، فإذا أسلم الأربع المتأخرات كان له أن يختار من الجميع - وهن ست - اثنتين تمام أربع من أيتهن شاء ، وينفسخ نكاح الأربع الباقيات .

                                                                                                                                            فإذا تقررت هذه الجملة ، فمسألة الكتاب أن يقول - وقد أسلم معه من الثماني واحدة - : قد اخترتها ، ثم تسلم ثانية فيقول : قد اخترتها ، ثم تسلم ثالثة فيختارها ، ثم تسلم رابعة فيختارها ، فقد ثبت نكاح الأربع المسلمات لاختيار كل واحدة بعد إسلامها ، وانفسخ به نكاح الأربع المتأخرات ثم تراعى أحوالهن ، وإن لم يسلمن حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدينين من وقت إسلام الزوج ، وإن أسلمن في عددهن وقعت الفرقة بالاختيار واستأنفن العدة من وقت اختياره الرابعة : لأن باختيارها ممن سواها ، فلا يكون الفسخ طلاقا سواء وقع باختلاف الدينين أو بالاختيار .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : إن وقع الفسخ بإسلام الزوجة ، وتأخر الزوج كان طلاقا ، وإن وقع الفسخ بإسلام الزوج وتأخر إسلام الزوجة لم يكن طلاقا .

                                                                                                                                            وكلا المذهبين خطأ : لأن ما وقعت الفرقة فيه بغير طلاق لم يكن طلاقا كسائر الفسوخ ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية